مفارقات وأسرار عن استجواب صدام

492

كاظم غيلان/

لعل أبرز ما يواجه دارس تاريخ العراق السياسي معضلة انحسار المصداقية والبوح للقارئ بحقيقة الوقائع التي خاضتها الأحزاب السياسية في العراق، فكثيراً ما تجد المؤلف الجلّاد يتحول إلى ضحية في تدوين مذكراته محاولاً بشتّى السبل طمس معالم الحقيقة لينال من رفاقه ويرمي كرة الاتهامات كلها وبما فيها من جرائم مروعة في ملعبهم ليكون في منأى عنها بريئاً، شفافاً، أو في أقل تقدير(مخدوعاً) في محاولة لخداع القارئ.

تجربة حزب البعث في العراق صاخبة بما فيها من دموية وسلسلة من المؤامرات والشراسة والجرائم – حتى تلك التي حصلت داخل تنظيمات الحزب نفسه كمجزرة قاعة الخلد الممسرحة أنموذجاً-، لكن لا تجد المصداقية معلنة عن وقائعها إلا ماندر، ولربما اختصرها بشجاعة ووضوح البعض من القياديين في الحزب بعد انفصالهم عنه أو تقاعدهم عن الحياة السياسية كما في (أوكار الهزيمة – تجربتي في حزب البعث العراقي) للراحل هاني الفكيكي و(على طريق النوايا الطيبة) للراحل خالد علي الصالح الذي صارح صدام حسين بحقيقة حزب البعث واصفاً أياه بـ( العصابة) وليس بالحزب العقائدي الثوري كما هو سائد في أدبياته.

استجواب الرئيس

الإشكالية التي اتسعت دائرة تعقيداتها تلخصت في الإصدارات التي تناولت شخصية صدام حسين المثيرة للجدل والشكوك حيث كتب عنها العديد من الكتّاب العراقيين والعرب والأجانب ككتاب (صدام حسين.. الحياة السرية) لــ( كون كولاج) و(دولة الإذاعة) لإبراهيم الزبيدي، صديق طفولة صدام، و (من يصنع الدكتاتور؟ صدام نموذجاً) لسلام عبود الذي كان الأكثر إيغالاً وعمقاً في تفكيك شخصية الديكتاتور.
إلا أن الكتاب الأشد إثارة الذي صدر مؤخراً (استجواب الرئيس) لــ( جون نكسون) كان له دور بوصفه أول من استجوب صدام بعد أسره من قبل القوات الأميركية ، والإثارة التي أعنيها هنا تتلخص بطبيعة الاستجواب من حيث ميزتها القانونية والنفسية، فالتحقيق على طريقة أجهزة الــ( سي. آي. أيه) يختلف عما هو سائد فضلاً عن أن( نكسون) القائم بالتحقيق مع صدام أمضى من حياته ثلاثة عشر عاماً لدى هذا الجهاز كمحلل لشأني العراق وإيران.

جزّار بغداد

لم يكن نكسون مكتشفاً لتركيبة صدام، إلا أنه، وبحكم وظيفته التحقيقية، يشير منذ بداية كتابه إلى أن (صدام قد بلغ قمة السلطة في العراق بإرادته وحنكته السياسية وبمقادير لم تكن قليلة من الدهاء والخديعة، غير أنه كان رجلاً جاهلاً في بعض الجوانب، إذ كان شاباً فقيراً لم يحصل على تعليم رسمي. قتل مئات الآلاف من شعبه، وشنّ حرباً على إيران راح ضحيتها سبعمئة ألف شخص تقريباً، واستخدم أسلحة كيمياوية بلا تردد أو تأنيب ضمير، وكان يستحق لقب (جزّار بغداد) ص14.

القراءة انتحالاً

يوهم صدام، بل حاول العديد من الكتاب المرتزقة والنفعيين إيهام الناس بثقافة صدام وولعه الدائم بقراءة كتب التاريخ وصولاً لجعله مؤلفاً لأربع روايات لــ( كاتبها) ففي فصل(إحراج صدام) يكشف نكسون عن هذا الأمر من خلال مجريات الجلسة الرابعة من الاستجواب بسؤال يتعلق بالتاريخ حين طلب منه أن يذكر أسماء الزعماء المفضلين لديه ويجيب (فكر طويلاً وبتركيز ثم فاجأنا بإجابته حين قال إنه معجب بالدرجة الأولى بديغول ولينين وماو وجورج واشنطن). ويضيف: (في أحد الأيام طلب من أحد الحراس شيئاً يقرأه. وجد الحارس عدداً من الكتب باللغة العربية وأعطاها له، كان أحدها مخصصاً لخطاباته فحمله معه في اليوم التالي إلى غرفة الاستجواب وقال أنه يريد أن يقرأ شيئاً لنا وكان خطاباً ألقاه في العشرين من أيلول 1980). ويورد في فصل آخر من الاستجواب تكرار طلباته بتزويده بمستلزمات الكتابة (يجب أن تفهموا أنا كاتب، وماتفعلونه بحرماني من قلم وورق يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان!) كما كان يطلب باستمرار تزويده بمواد يقرأها لقضاء الوقت. ذكر لنا أحد حراسه الذي كان قد أعطاه نسخة عربية من كتاب دستوفسكي (الجريمة والعقاب) أنه قال: هذا الرجل دستوفسكي لديه نظرة لافتة تجاه وضع الأنسان. وكان معجباً بالروائي المصري نجيب محفوظ وطلب منا أن نشتري له النص العربي من (ثلاثية القاهرة).

ويضيف: سألت صداماً عما يجب قراءته فقال: “يجب قراءة التاريخ في القصص العربية. سألته عن كتابه المفضل فقال (العجوز والبحر) لأرنست همنغواي (يقصد الشيخ والبحر).

عبد الله المؤمن… كاذباً!

من الأكاذيب التي تثير سخرية القارئ لمجريات التحقيق تلك التي توحي بنأي صدام عن حب السلطة والزعامة فقد أورد بالنص أثناء مجريات إحدى الجلسات “أنه لم يرتئي لنفسه أن يحكم العراق مدة طويلة، وقال: ظننت انه بعد نجاح ثورة 1968 سأتمكن من التقاعد وأترك القيادة في الثلاثين من تموز حين تولى الحزب السيطرة على البلاد، ولكن مجلس قيادة الثورة رفض ذلك بشدة. ثم عدت في 1974 إلى رغبتي في الاعتزال ولكن طلبي رفض.. فكان الاعتزال يعني التخلي عن المبادئ والتخلي عن الشعب فلم أعد إلى التفكير في الاعتزال بعد ذلك” ص 167.
عقدة الذنب

عقدة الذنب لابد وأن تراود شخصاً كصدام، أو غيره من الطغاة، لكن طريقة التعبير عنها تأخذ أساليب وأشكالاً متباينة، ولعل من أبرز ما يغضب صدام حسب ماجاء في مجريات التحقيق تلك التي تتعلق بطفولته وعلاقته بعمّه (إبراهيم الحسن) بعد وفاة والده وغزوه الكويت، إلا أنه سرعان ما ينفجر غضباً في الحديث عن استخدام الأسلحة الكيمياوية على (حلبجة) في آذار 1988 والذي أسفر عن مقتل نحو (5000) شخص كان علي كيمياوي ( علي حسن المجيد) القائد العام لها وهنا يورد نكسون:

“لم يكن صدام يريد التحدث عن حلبجة، ليس فقط لكونها اعتبرت جريمة إبادة جماعية، بل بسبب (محبته) المزعومة للأكراد. ثم حين عدت إلى الموضوع بدت معالم الغضب على وجهه وقال: أذهبوا واسألوا نزار الخزرجي ( كان القائد الميداني وقتها في حلبجة) وحين أخبرته بأن الخزرجي لم يكن موجوداً وكان هو الموجود اعترض صدام على أسلوب الاستجواب.”

الكويت .. آخ راسي!

يذكر نكسون ضمن سلسلة استدراج صدام أثناء الاستجواب وفي رصد نفسي دقيق لما يزعجه ويصدّع رأسه هو مايتعلق بأزمة الكويت التي مهدت لطلقة الرحمة في أن تستقر برأس نظامه إذ يورد: “في أول لقاء لنا مع صدام بدا وكأنه يجفل من ذكر الكويت، ولدى عودتي إلى ذكر الموضوع بدت على وجهه علامات ألم شديد قبل أن يحاول تغيير الموضوع. ارتأيت أن أترك الموضوع لكوننا كنا نريد أن نجعله يتكلم ولم أرد أن أدفعه إلى السكوت قبل تمكننا من إقامة حوار معه. ثم في الاجتماع التالي عدت وأثرت موضوع الكويت، فوضع صدام يديه على رأسه وقال: آخ، يصيبني ذلك بصداع شديد” ص 117.

كان ذلك أقرب مابلغه من الإقرار بأن الغزو كان خطأ لن ينساه أحد.

صدام الأميركي

لاتخلو جلسات الاستجواب من إشارات مهمة وليست عابرة عن المساعدات والدعم الأميركي لصدام في حربه مع إيران، إلا أنه كان شديد الاستغراب للتغيير الذي طرأ على السياسة الأميركية تجاهه منذ العام 1990، ولربما أغفل أو بالأحرى تغافل نكسون بحكم ما تمليه أسرار المهنة والمهمة الموكلة له من نبش الفترة الغامضة في حياة صدام التي أمضاها في القاهرة عقب هروبه لها لاجئاً بعد مشاركته الهامشية في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم وهي الفترة الأشد غموضاً في حياته والتي تؤكد ارتباطه بالمخابرات الأميركية الأمر الذي أوجب عليه التخلص من رفيقه الأقرب بتلك الفترة والقائم معه بذات السكن أو الشقة وهو عبد الكريم الشيخلي الذي صفي فيما بعد لكي تموت معه أسراره. ولربما اختصرت الكثير نظراً لسعة صفحات الكتاب البالغة ( 237) صفحة من القطع الوسط.