منارة داقوق الأثرية مئذنة ومرقاب ووقفة احتجاجية

171

عامر جليل – تصوير: حسين طالب /

داقوق (٢١٠ كلم شمال بغداد) القضاء الذي يتبع كركوك إداريا ويقع على الطريق الذي يربط بغداد بكركوك، بقعة غنية بالعديد من الشواخص التاريخية والاثرية، فضلا عن ثرائها بالمواقع الدينية وتحتاج إلى أيام للكتابة عنها جميعا وليس يوما واحدا لم يسمح برؤية البلدة كلها وتاريخها وتصويرها..
داقوقاء
كما الآن، كانت هذه البلدة على الطريق دائما وكانت دائما مأهولة بالسكان، واذا اقتنعنا بتعريف الرحالة ياقوت الحموي في كتابه (معجم البلدان) وهو في طريقه إلى كركوك في سنة( ١٢٢٨م -٦٢٦هـ)، فإنّها تكون ثاني أقدم بقعة سكنها الانسان، والأولى هي، استنادا إلى الروايات التي تقول بأن سيدنا آدم (ع) هبط من الجنة إلى القرنة في البصرة.إذ يقول الحموي: إن داقوقاء أو داقوقا، مدينة تقع بين مدينتي اربل وبغداد معروفة ولها ذكر في الأخبار، وعن اسمها، يضيف بأنّه يقال إن قابيل قتل هنا أخاه هابيل بدق رأسه بالحجر دقا، فسميت داقوقاء، ونعرف جميعا أن هابيل وقابيل هما أول ابنين لسيدنا آدم.. ويشير اليها المؤمن بن عبد الحق، المتوفي ١٣٣٨م، في كتابه (مراصد الاطلاع على الأمكنة والبقاع) الذي اختصر فيه (معجم البلدان للحموي) قائلا وهو يصف كركوك: “بأنها قلعة حصينة بين داقوقا واربيل”. وأطلق عليها شرف الدين علي اليزدي في كتابه باللغة الفارسية (ظفر نامة) الذي أنجزه في سنة ١٤٢٥م – ٨٢٨ هـ، اسم (طاووق) وهو يشير إلى كركوك بأنها قريبة من طاووق.. ويذكر أن هذا الاسم (طاووق) يطلقه التركمان على المدينة وقد يكون تحريفا لاسمه المعروف جغرافيا وهو داقوق، وحين أطلقه اليزدي كان في سنة ١٤١١م – ٨١٤ هـ، أي في عهد دولة قرة قوينلو التركمانية.
منارة داقوق
في هذا العدد من “مجلة الشبكة العراقية نكمل (معالم داقوق) بعد أن كتبنا في العدد الماضي عن (إمام الهوى)، ومعلم العدد هو (منارة داقوق) التي تقف منذ قرون سبعة كعلامة طريق بين كركوك وبغداد، وكان عليَّ البحث عن المهندس صالح محمود رمضان مدير إعدادية داقوق المهنية المعروف كواحد من المهتمين بتاريخ كركوك وتراثها. وكان في مكتبه واصطحبني وزميلي المصور إلى موقع المنارة او المئذنة التاريخية.
يقول رمضان: يضم قضاء داقوق نحو 336 معلماً أثرياً تاريخياً لم تصلها يد الإعمار او حتى محاولة الحفاظ عليها ومن ضمنها منارة داقوق التي تعود تاريخياً إلى الحقبة الاتابيكية (اتابك صفة تركمانية تعني السيد الأب التي أطلقها السلاجقة على رجال البلاط والوزراء والقادة) وهناك روايات تشير إلى أن تاريخها يعود إلى فترة الدولة السلجوقية عهد قائدها طغرل بك ( 447هـ ـ 1055م )، ولكن نوعية الآجر المستخدم في بنائها وزخارفها يجعلها شبيهة بالمنارة المظفرية في اربيل التي شيدها السلطان مظفر الدين الاتابكي حين كان حاكما لمدينة اربيل (١١٩٠-١٢٢٤م) والمنارتان (داقوق والمظفرية) تشبهان في عمارتهما ومواد البناء المستخدمة والزخارف منارة الحدباء في الموصل التي شيدها السلطان الاتابكي نور الدين زنكي (١١١٨-١١٧٤م).
ويشير رمضان إلى بعض الفروقات في التصميم والتنفيذ، فمثلا في منارة داقوق هنالك بوابة واحدة تؤدي إلى السلم اللولبي المؤدي إلى القمة، أما المنارة المظفرية في اربيل فهناك بابان وسُلَّمان لولبيان لا يلتقيان الا في القمة.
جامع اندرس
ونعرف من رمضان أن المنارة كانت جزءاً من جامع ومدرسة دينية متصلة اندرس عدا بعض آثار قائمة منه إلى الآن وهي الاعمدة الملتصقة بالمنارة التي تبدو مبنية على قاعدة مربعة من الطوب يرتفع فوقها جزء مثمَّن يتكون من جزأين فرعيين وبزخرفتين مختلفتين؛ جزء يرتفع ثلاثة أمتار فيه شريط زخرفي مقسم إلى أربعة أقسام ثلاثة أجزاء منه لم تزخرف لكونها تقع ضمن بناية الجامع والرابع مزخرف، والجزء الآخر ارتفاعه أربعة أمتار ونصف المتر وهو مزخرف بالكامل وفوق هذا البناء المثمَّن هناك المنارة الدائرية والجزء الصالح منها يبلغ ارتفاعه نحو سبعة أمتار وبقطر ثلاثة أمتار وسمك جدارها ستون سنتيمترا.
وعموما كان يبلغ ارتفاع المنارة الكلي عند بنائها ثلاثين مترا، تلفت أجزاء منها بسبب مرور الوقت والعامل الجوية والإهمال، وداخل هذه الاسطوانة الدائرية، أشكال زخرفية تدل على مستوى الثقافة الاجتماعية والسياسية والمدنية في تلك الفترة الزمنية، وبأشكال هندسية أكثر ميلا للثقافة الإسلامية.
فائدة المنارة
يضيف المهندس رمضان كانت المنارات تستخدم سابقا لأغراض عديدة وإن كانت وظيفتها الأساسية هي مئذنة للآذان والخطابة أثناء صلاة الجماعة والاعياد والمناسبات الدينية والاجتماعية والحروب، فكان ارتفاعها يساعد الخطيب في إيصال صوته إلى أبعد مكان ممكن، إضافة إلى ذلك كانت تستخدم كمرقاب لمراقبة طرق القوافل والغزوات الخارجية وكانت تستخدم لتوصيل الاشارة الضوئية بين منارة وأخرى في حالة حدوث حالات طارئة.
وحول المعالم الاخرى القريبة من المنارة والجامع يبين المهندس رمضان: اتمنى أن تكون هناك معالم أخرى لكن آثار الجامع واضحة للعيان وهذا الجامع والمنارة كانت حولهما بيوت وحضارة وكلها تدل على وجود مدينة كاملة، لأن الجامع لم يبنَ بالصحراء بالتأكيد كانت مدينة ويسكنها الناس لكن نتيجة التأثيرات والظروف المناخية والجوية كل المعالم اندثرت ما عدا المنارة وآثار الجامع، وهناك سور حول مدينة داقوق للحفاظ عليها من الغزوات لكن لم يبقَ من السور أثر.
الإهمال
ويستدرك المهندس رمضان إذ يقول: حسب معلوماتي في زمن النظام السابق كان هنالك إهمال واضح للمدينة وآثارها وبعد نيسان ٢٠٠٣ كانت هنالك محاولات من قبل مجلس القضاء، لكن المبالغ التي تم تخصيصها للبناية لا تفي بالغرض ولا بد من توفيرها لا سيما أن هذا المعلم التاريخي المهم آيل للسقوط.
ويتذكر رمضان حين كان طالبا في سبعينيات القرن الماضي شخصا كان حارسا للمنارة وما حولها فقام بتسييجها وزرع الاشجار حولها ليصبح الموقع جميلا ومريحا للزوار ولكن الحروب وما تبعها أدت إلى الاهمال وصولا إلى التشققات التي تعاني منها المنارة الآن ويهدد استمرارها.
وقفات احتجاجية
واستنادا إلى رمضان، فقد طالب الأهالي كثيرا الاهتمام بها ونظموا وقفات احتجاجية لجذب نظر المسؤولين لها حتى تتم إعادة ترميمها لكن دون جدوى، وهيئة الآثار توفّر حراساً كثيرين لكنّهم بلا صلاحيات كافية تمكّنهم من الحفاظ على هذه الآثار والمعالم، وكل معلم آثاري في مدينة داقوق يوجد به من يحرسه.
ويختتم المهندس رمضان حديثه بالقول: قليل من الناس تزور هذه المنارة وأغلبهم من أصحاب الاختصاص والباحثين الذين يترددون عليها للبحث والدراسة، أما استخدام هذا المعلم المهم للسياحة فهو معدوم، لأنّه يفتقر إلى أبسط مقومات المواقع السياحية فلا مساحات خضراً ولا شيء يسر الناظرين. ويناشد المسؤولين بالالتفات اليها قبل أن تسقط، لأن بناءها مرة أخرى لن يشبه الأصل أبداً، لا سيما في طعم التاريخ الذي تعمل الشعوب والدول للمحافظة عليه.