منمنمات شعبية في الذاكرة العراقية

212

#خليك_بالبيت

باسم عبد الحميد حمودي /

حكاية كرسوع الصبي وإنشاء قلعة صالح – مدير معارف السماوة يعمل من خارجها – من الحسكة إلى الديوانية – حكاية محلتَي السراي والعكبة – مسرح الأثل البصري – بين جلعة شخيِّر وناحية سومر.!..وأحداث أخرى..
العكبة والسراي
نتجول في هذا المقال بين المدن العراقية والدساكر والعادات الثقافية اللافتة التي لا تؤرخها إلا كتب السِّيَر والمذكرات التي دونها بعض العراقيين وهم يتحدثون عن حياتهم وأسرهم في كتب نشرت لتوثيق جهد الكاتب في مجاله وأفادت منها الأجيال.
ومما لاحظه الكاتب، على عادته في التجوال وهو شاب في مدن العراق أيام العطل، وجود تسمية شبه موحدة لمحلة (السراي) في معظم المدن العراقية، لقرب مساكن مجموعة بشرية محددة من سراي الحكومة المحلية حيث مقر الحكم, ووجود تسمية أخرى لمحلة (العكبة) بالكاف الفارسية، أي (العقبة)، لمحلة تقع في كثير من مدن الوسط عند انحراف مجرى النهر فيها و(استدارته)، كما اشتهرت تسميات أخرى لمحلات وتجمعات بشرية أخرى مثل: الحي العسكري ومحلة المعلمين والتجار والمهندسين… نسبة لمهنة الأكثرية الساكنة في المحلة.
كرسوع في قلعة صالح
يقول غضبان الرومي- أحد كبار الباحثين في الشؤون المندائية- في كتابه (مذكرات مندائية) إنه ولد عام 1905 وسماه والده (غضبان) احتراماً للشيخ غضبان البُنيّة، شيخ بني لام آنذاك.
كانت مدينة الخميسية أيامها شبه محتضرة بعد تحول النهر عنها، وقد أمر العثمانيون ضابط الشرطة صالح بتأسيس مجمَّع سكني جديد على ضفة النهر فأسس (قلعة صالح) عام1865 وبنى مركز الشرطة وبيوت المنتسبين وطلب من (كرسوع) الصابئي بناء بيوت لجماعته الصابئة في منطقة المعيبر، وطلب من وجهاء القوم من شيعة وسنّة إنشاء أحياء لهم انتقالاً من الخميسية إلى هذه المنطقة الجديدة، في حين حلّت مجموعة من اليهود من منطقة العزير في جانب من المدينة الجديدة طلباً للاستقرار.
من الحسكة إلى الديوانية
يقول الدكتور صادق عبد الصاحب التميمي في كتابه (أول الزمان) عن مدينته (الديوانية) إنها أُسست عند قرية أبو الفضل عام1747 بتوجيه من الشيخ حمود آل حمد شيخ الخزاعل أيامها بعد ضعف دور عاصمة المنطقة التي كانت (الحسكة) المجاورة لناحية السنيّة اليوم لتغيير نهر الفرات لمجراه .
ومعنى (الديوانية) الأولي هو التسمية الشعبية الدارجة لمكان استضافة الزائرين، وهو ذات معنى غرفة الخطّار أو الديوان في بغداد والبصرة والموصل وسائر المدن الكبرى.
وكانت الحكومة العثمانية تعدّ الحسكة ثم الديوانية مركزاً للمتصرفية يتبعها قضاء الحلّة, وكانت تغير مركز السنجق (اللواء) تبعاً لقناعاتها، فمرة يكون الحلة ومرة يكون الديوانية، حتى استقر الأمر ببناء النظام الإداري للمملكة العراقية سنة 1921.
بين سومر وجلعة شخيِّر
إلى الجنوب من مدينة الدغّارة المطلّة على فرع الفرات المنشطر عن المجرى الرئيس في منطقة قصر الملك غازي, وعلى بعد ما يقارب الثماني كيلو مترات عنها، تقع قلعة شخيِّر الحاج غانم، وقد أسسها الشيخ سنة 1818 ليجمع حوله الفلاحين من عشائر الأكرع المجاورين ومعهم من عشائر البوناشي وبني حجيم والكوارض والبركات والشراهنة وسواهم، وبعض من السادة المحانية والعواودة، وظلوا يعملون في أراضٍ زراعية عند مجرى النهر حتى قررت الدولة إنشاء مركز ناحية عام 1970 وتأسيس بلدية ومتوسطة للبنين ووحدات إدارية أخرى باسم (ناحية سومر).
كان مدير الناحية الأول هو السيد حكمت ذنون الموصلي، ومقر إدارته في سراي مدينة الدغّارة حتى تم بناء سراي الناحية.
خلال ذلك تأسست محافظة المثنى ومركزها هو مدينة السماوة، لكن وحدتها الإدارية لم تكن متكاملة، حتى أن مدير التربية الأول فيها وهو الشاعر عودة محمد عطية كان مقره في مديرية تربية لواء الديوانية حتى تكامل بناء الإدارة التربوية في السماوة .
مسرح الأثل البصري الارتجالي
تقول مصادر طرائف مدينة البصرة إن منطقة (الأثل) في البصرة في سنوات الأربعينيات من القرن الماضي وما تبعها كانت منطقة تسلية ومرح وإقامة مؤقتة للعوائل البصرية الراغبة بالتمتع، مثلما هي عادة العوائل البغدادية التي كانت تنطلق أيام الربيع إلى ناحية السلمان للتبرّك بزيارة دفينها الصحابي سلمان الفارسي والتمتع ببساتين المنطقة لأسابيع.
وفي منطقة الأثل البصرية قام المسرح الكوميدي الارتجالي على يد فنانين من البصرة وتصاعدت موسيقى (الهيوة) وحركات (النوبان) وازدهرت الأغاني البصرية الجميلة التي تحوّل قسم منها إلى إنشاء الأوبريت البصري الجميل.
أخيراً
فإن التجوال بين المدن وحكايات التأسيس وتحولات الأسماء وتغيرات مجاري الأنهار تشكِّل جزءاً مهماً من المنمنمة الشعبية العراقية التي تستدعي المزيد من الفحص والرعاية والتي كان لمجلة (الشبكة) الغرّاء دورها في رعايتها والكشف عنها.

 

النسخة الألكترونية من العدد 360

“أون لآين -3-”