منير بشير يعزف الجاز والكلاسيك على العود!

463

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

حمل العود وهو في الخامسة من عمره، فاستطاع أن يصل الى المرتبة الأولى في العالم العربي! وأن يبدع ألواناً جديدة من المهام الفنية يلقيها على عاتق العود.

طاف أكثر عواصم العالم وعزف في دور الأوبرا وعلى أكبر المسارح، وجعل كل من استمع إليه يعجب بالعود ويقدم العروض السخية للمزيد من الاستماع إليه.

هذا هو منير بشير الفنان العراقي الذي استطاع أن يجعل العود يقدم الألحان الموسيقية الكلاسيكية، وأن يعزف عليه موسيقى الجاز والألحان الإسبانية بدلاً من الجيتار.

الموصل.. البلد العربي العريق، الذي انجب من قديم الزمان إمام الطرب والغناء في الشرق العربي إسحاق الموصلي.. ينجب لنا اليوم «موصلياً» جديداً ستحدث انطلاقته الجديدة في الموسيقى العربية ثورة عارمة تستعيد أمجاد العراق الفنية.

حمل عوده في الخامسة من عمره.. فلم تكن المعزوفات التي اسمعها لأهله وجيرانه مجرد محاولات من أصابع صغيرة تعبث بالأوتار ولا تعرف مكانها منها.. انما كانت مقطوعات تسمع وتستساغ وتستعاد.

هكذا بدأ الصبي.. «فلتة» زمانه، ولكن، لم تعجبه هذه البداية.. فانطلق وراء دراسة أصول الموسيقى والعزف بعيداً عن الارتجال.. ولما اشتد عوده كانت قد مرت عشر سنوات من عمره سلخها في نهل علم الموسيقى فمشى بعدها في اتجاه طريق جديد.. وفي أول هذا الطريق التقى، على حد تعبيره، بأعظم عازف على العود في عصرنا: محي الدين حيدر الذي أوجد مدرسة خاصة في العزف وأدخل «التكتيك» الغربي في أسلوبه التعليمي.

الأستاذ الجديد

ست سنوات عاشها «الموصلي الجديد» بين يدي المعلم الأكبر للعود.. لم يرحمه خلالها من متاعب التمرين.. تمرين الأصابع لتصبح كالآلة الأوتوماتيكية التي لا تنقطع عن الحركة.. وبعد أن صارت هذه الأصابع قطعة من العود والأوتار، أو صار العود جزءا لا يتجزأ منها، سلم الأستاذ تلميذه شهادة يقر له فيها «بالأستاذية»!

ووقف الأستاذ الجديد طوال خمس سنوات جديدة من عمره يعلم العود في معهد الفنون الجميلة، ويقود فرقة الأوركسترا في إذاعة بغداد، ثم انطلق سعياً وراء الجديد في عالم جديد.. فحمل عوده الى أكثر من بلد في أوروبا، زار انكلترا وفرنسا ورومانيا وهنغاريا وبلغاريا والمانيا والنمسا، وقدم في فيينا ألوانا من الفولكلور العراقي تقبلها أبناء بلاد «شتراوس» بقبول حسن لم يكن يحلم به في حياته.

وعاد «الموصلي الجديد» الى وطنه يحمل بيده الأولى العود.. رفيق عمره.. وباليد الثانية عشرات الشهادات والتهاني والدعوات للرجوع الى التيرول وإحياء «ليالي بغداد» على مسارحها. وفي دور الأوبرا، ولكنه لم يعد الى بلاد شتراوس، انما بقي في الدنيا التي احبها يعطيها من نبعه الغزير فيضاً من الألحان التي عرفت طريقها الى آذان العراقيين من خلال الإذاعة والتلفزيون.

منير بشير في لبنانوشأنه

كشأن البلابل التي تتنقل من غصن الى غصن.. ومن جنة الى جنة لتغرد وتنشر فيها الألحان، انتقل «الموصلي الجديد» الى لبنان.. انتقل منير بشير الرجل المعجزة.. وأعظم عازف على العود في الشرق العربي الى بيروت.
واجتمعنا.. هو.. وأنا وعوده.. ولم يتكلم أحد منا.. ولكن عوده هو الذي روى أحلى حكايات الحب والموسيقى فهل يصدق أحد او يخطر ببال أحد أن العود يحكي ويقول كل شيء؟

إن منير بشير كان ينطق عوده.. جعله يروي لي أغنيات من الشرق والغرب.. وطال كلام العود.. وامتد حديثه عن الهوى ساعات وساعات.. ثم سكت ليس من التعب، بل ليترك مجالاً لصاحبه منير بشير ليتكلم.. فقال:
ـ إن الفولكلور العراقي هو أغنى فولكلور في الشرق بعد الهند على الاطلاق، والآلات التي نستخدمها في إبراز أغانينا هي السنطور والجوزة والمزدوج والناي والزرنة والطبل.

والسنطور آلة تشبه الى حد بعيد «القانون» واما الجوزة فهي جوزة الهند لا أقل ولا أكثر، وبجانبها يد طويلة عليها بعض أوتار.

وأمام هذه الآلات افتقدت العود.. وجدته مهملا..

بعض المغنين الكبار تخلوا عنه في المدة الأخيرة في فرقهم الموسيقية. وبما أنني أعتقد أن العود يتمكن من احتلال المكانة اللائقة ليس في التخت الشرقي بل في الاوركسترا الغربية، لذا يجب الا نهمله، بل بالعكس.. علينا أن نهتم به بصورة جدية لأنه أولاً آلة عربية فولكلورية.. وثانيا لأنه لا يقل شأناً وجمالاً في الصوت عن أية آلة عالمية.. وليس أشد دلالة على ما أقول من أنني استطعت أن أعزف على العود كل المقطوعات الكلاسيكية والأوبرا والباليه والفولكلور العالمية كما تعزفها أكثر الآلات الوترية الغربية نفسها.

الجاز على العود

والعود ليس آلة للتقاسيم الارتجالية او لمصاحبة الليالي والمواويل او لعزف بعض المقطوعات الغنائية البسيطة.. انما يمكننا عن طريقه تقديم «الكونشرتو» والألحان الاسبانية ورقصات الجاز.

قلت لمنير بشير.. لأشهر فنان أنجبته الموصل بعد اسحاق الموصلي.

ـ من هو «العواد» الذي يطربك في عزفه وفي مداعباته على الأوتار؟

ـ أنا لا أملك أن أفرق بين عازف وعازف في التقاسيم.. فكل العازفين عندي على السواء.. لكن الذي يطربني هو من يتمكن من إبراز المقطوعات العالمية بإطارها السليم.. كما نسمعه على الآلات الغربية.. وما عدا ذلك فهو مجرد تقاسيم بدائية.

رأي في التطوير

ـ كيف يمكن لنا تطوير موسيقانا وأغانينا الشعبية؟

ـ هناك طريقتان لتطويرها.. او ليتقبلها المستمع العالمي.

أولا: تقديم هذا التراث بآلات شعبية صميمة وغناء شعبي صميم على أسس فنية صحيحة.

وثانيا: تهيئة المؤلفين الموسيقيين لإعداد موسيقانا أوركسترالياً وهارمونياً.. فنحن نفتقر الى مدارس الغناء ولا سيما الأوبرا والفنون الشعبية.. وحكوماتنا مقصرة جداً في رعاية الفنون ولا سيما الشعبية منها.. وعلى هذا أقول، لا يمكن للفولكلور أن يسير على نهج سليم الا اذا احترفه الفلاحون وليس أبناء الذوات.

الفولكلور اللبناني

ووجهت سؤالاً الى فنان العراق الكبير يتعلق بالفولكلور عندنا.. بالصورة التي يحملها عنه.. وبرأيه في أغانينا فقال:
ـ إن لبنان قد مشى خطوات بعيدة في هذا المضمار ولكنني لا أؤيد مطلقاً استخدام الآلات الغربية في أغانيكم ومهرجاناتكم الشعبية.. يجب أن تعتمدوا الآلات اللبنانية الصميمة كما كان الحال في مهرجانات بعلبك الأخيرة.
وقلت لمنير بشير.. ما رأيك في أغاني فيروز بحد ذاتها.

ولم يبحث عن الكلام المعسول او عن شيء يجامل به، بل قال على الفور:

ـ فيروز معجزة لبنان.. وأغانيها صور تنم عن سحر لبنان.. وكل ما أرجوه أن نتمكن في القريب العاجل من تقديم أغنيات فولكلورية عراقية بصوت فيروز وبتعاون تام شامل مع الأخوين رحباني والمخرج الفنان صبري الشريف.. ففي هذا التعاون خدمة للبنان والعراق.. وكل بلد عربي.. فلكلور هو خير دعاية لبلادنا في الخارج، وعن طريقه يمكننا أن نقدم العجائب، فلبنان والعراق هما أغنى بلدين في الأغاني والرقصات الشعبية في الشرق بعد الهند.