من خطوط الدفتر المدرسي الزُرق إلى خطوط غير مرئية ترسم حياتنا

266

عبد الزهرة زكي/

واحدة من المرات النادرة التي عوقبت فيها من معلم كنتُ فيها في الصف الثاني الابتدائي، وكان سبب العقوبة هو (الكتابة) بحرية وبلا تقييد.
كان هذا في اختبار في الإملاء؛ صحّح المعلم ورقة الاختبار في دفتر القراءة فكانت درجتي فيها كاملة (10/10)، وقبل أن أفرح بالنتيجة رأيت أن المعلم وضع علامة خطأ (X) كبيرة على طول الصفحة.
لقد كان الإملاء صحيحاً، لكنني لم أكتب الكلمات بين سطر وسطر، خلافاً لما أمرنا به وأكد عليه. لابد من ترك سطر فارغ يفصل بين أي سطرين من أسطر الكتابة، ولذلك ضاعت الدرجة الكاملة بعلامة الخطأ الكبيرة.
وضع علامة الخطأ من بعدما وُضعت الدرجة كاملةً هو أسلوب يبالِغ في لؤمه وإمعانه في التأنيب.
كنت طفلاً وأكره هذا الفراغ الكبير (البياض) ما بين الأسطر، وكان الفراغ يتضاعف حينما أترك سطراً فارغاً ما بين سطري الكتابة حسب توجيهات المعلم. أكتب الكلمات بحرف ناعم ورشيق فتشتد المعاناة النفسية من الفراغات الهائلة وهي تتضخم أكثر ما بين الأسطر والكلمات.
لم أسمع من المعلم سبباً لهذا السطر المتروك فارغاً ما بين سطري الكتابة. كنت أسمع منه المنعَ فقط.
أعتقد أن هذه مشكلة تربوية وتعليمية حين يلقِّن معلم تلاميذه بأوامر من دون أن يوضح لهم سبب الأمر. التفكير بأن الطفل لا يحتاج الى مثل هذه التوضيحات، هو خلل أساس في عقلية التعليم يظل أثره ربما عميقاً في عقل وسلوك الطفل حتى وإن كبر، يظل بموجبه يتلقى التعليمات وينفذها من دون تفكير. ما قد يكون كسلاً عن الشرح والتوضيح وتقاعساً ربما غير مقصود من المعلم من الممكن له أن يشوه حياة وعقل إنسان يتعلم على يدي معلم كسول إن لم يكن غير مؤهل أساساً للتعليم.
كانت كراهيتي لهذه المساحات الفارغة أو انزعاجي منها تزداد كلما رأيت صفحة ممتلئة بالكتابة الجميلة في دفتر لشخص أكبر مني. ليس لهذه الأسطر الفارغة من وجود في ما أرى مثلاً من دفاتر أصادفها أحياناً لدى والدي وقد امتلأت بكتابة كنت أجاهد لأقرأها.
جمال الورقة هي بالكتابة عليها، هكذا كنت أرى، فكنت أتساءل مع نفسي عن مبرر الفراغات والمساحات المتروكة بيضاء في الدفتر والورقة المصنوعين من أجل الكتابة.
وبالتأكيد لم يكن في وارد تفكير الطفل الذي كنتُه أن يغامر ويجازف عندما لم يتقيد بترك سطرٍ فارغ ما بين سطرَي الكتابة. لقد كنت تلميذاً شديد الالتزام، لكني وجدت لنفسي بالمصادفة تفسيراً عن داعي السطر الفارغ مع تكرار مراقبتي دفاتر التلاميذ الآخرين؛ التلاميذ يكتبون الكلمات بحروف كبيرة ومشوهة وغالباً ما تكون مائلة لا تستقيم على السطر وقد يترك استخدام الممحاة برداءة أثراً على المكتوب فيزيد من تشوهه، ما يجعل ترك الفراغات ضرورة للاثنين معاً: التلميذ ليكتب بوضوح، والمعلم ليفهم ما يحصل. اقتنعت بهذا التفسير وأعطيت معه المعلمَ الحقّ بأمره بترك السطر الفارغ، غير أني أكتب كلمات واضحة ومستقيمة على السطر وبحرف ناعم. لا داعي لترك الفراغ السطري، هكذا فكرت واقتنعت فكتبت الإملاء من دون حاجة لترك ذلك الفراغ. واقعاً كنت حسبتُ أن المعلم سيُعجب بقدرتي على أن أكتب كتابةً سليمة من دون حاجة لترك ذلك الفراغ، لكنه آثر، في ما يبدو، ترسيخ مبدأ التقيّد بالقانون والأوامر غير عابئ باجتهاد تلميذ لم يجد مبرراً لتقييدٍ له صلة بالعمر وبضعف القدرات أكثر مما هو قيد عام ومعقول (هل ثمة قيد معقول)؟.
لم أخلص من عقدة السطر الفارغ إلا بعد سنتين، ففي الصف الرابع الابتدائي، ترك المعلم سامي (في مدرسة الهادي للبنين في البصرة) للتلاميذ حريةَ أن يكتبوا بالإبقاء على الفراغ السطري أو بخلاف ذلك حيث بات لهم أن يكتبوا بحريتهم من دون حاجة لترك سطر فارغ.
ما لم أقله حتى الآن هنا، هو ما كنت قد فكرت فيه تالياً وتفهمت بموجبه دواعي انزعاجي من هذه الفراغات الكبيرة التي يأمر المعلم بالإبقاء عليها سواء ما بين الكلمات أم ما بين الأسطر. أعتقد أن نزوعاً مبكراً للتشبه بالكبار ورغبة مبهمة بتخطي العمر والأقران هما وراء ذلك الموقف النفسي المنزعج الذي لا يعدم أن يجد له تسويغات تبرِّره من خلال حُسن الخط والتنظيم في الكتابة. كانت هذه التسويغات هي أيضاً شفيعاً منطقياً لتأكيد قدرة طفل على أن يبدو متجاوزاً حدوده العمرية وربما متفوقاً على الأقران.
لم أكتفِ بالسأم من ترك سطر فارغ بين سطري الكتابة وإنما عدت لأقرف بعد حين من الدفتر المدرسي المخطط (بأسطر زرق غالباً) خصوصا في تلك الدفاتر التي يمعن صانعوها بزرقة اللون فتتشوه به. ما الداعي لهذا التخطيط ما دام الإنسان قادراً على أن يكتب على ورقة بيضاء (بلا أسطر مخططة) وتكون كتابته مستقيمة؟
في مرحلة عمرية تالية وحين بدأت الصلة بالشعر لم أكتب يوماً قصيدةً على صفحة مخططة الأسطر. كنت أنفر من كل ما هو مخطط؛ لم أستخدم يوماً دفتراً مدرسياً لتلك الكتابة. كانت الكتابة التي تسقيم على صفحة بيضاء حرة من الخطوط المسبقة هي ما تزيد البياضَ جمالاً ووضوحاً. لقد حصل هذا قبل أن أجرّب الكتابة على ورق آخر، كان بألوان مختلفة لم يعد الأبيض البارد بينها. إنها ورق مما كان يأتي به أورزدي باك من مناشئ عالمية مختلفة وبأجود ما يكون عليه الورق.
أستعيد هذا وأنظر معه إلى حياة ظلت دائماً تتضايق وتتبرم من الخطوط المعدة مسبقا والمفروضة، ما أكثر الخطوط التي لا ينبغي لحياتنا أن تحيد عنها؛ خطوط كثيرة بألوان صارخة، لكن أتعسها هي تلك الخطوط اللامرئية التي يجري الامتثال لها وعدم الخروج عليها برقابة متعسفة من الذات نفسها.