من روافد الصناعة العراقية سوق الصفافير تبحث عن منقذ يعيد ألقها

136

آية منصور  – تصوير: حسين طالب  /

البضاعة الأجنبية المحتلة
أبو أحمد (كامل كرادة) 47 عاما، صاحب أحد المحال في سوق الصفارين، كان صانعاً عند أفضل حرفيي هذه السوق، تعلّم منه “الصنعة”، ودربه على صنع الأواني النحاسية ليتمكّن بعدها من افتتاح المحل الخاص به، يرى أبو أحمد “أنَّ الحياة في السوق سابقا كانت أجمل، لوفرة الصناعة المحلية، كما أنَّ الأسعار والتجهيزات الخاصة بالمهنة كانت مدعومة، فضلاً عن رخص بدلات الإيجار، وانقلب الأمر رأسا على عقب بين ليلة وضحاها.
ويقول ابو احمد: “كانت المشغولات اليدوية العراقية مطلوبة، وأمهر الصفارين كانوا غير قادرين على تلبية الطلبات لكثرتها سواء من داخل العراق او خارجه، كان هذا المكان سابقاً مزدحما بمجاميع السواح، التي اختفت بسبب الحروب والظروف التي مرّ بها العراق”.
يرى أبو أحمد، أنَّ صناعة النحاس اليدوية تتطلّب مهارة ودقّة كبيرتين، ويستغرق إنجاز عمل واحد نهاراً كاملاً أو أكثر، وبسلسلة من العمليات تبدأ بقصّ النحاس، ووضع الركائز لتجهيزه للرسم، ثم تبييض القطعة بالفضّة، ومسحها وتلميعها، ثم الرسم علىالنحاس، وتنعيمها مرّة أخرى، لتصبح جاهزة للبيع.
ويؤكد أبو أحمد “أنَّ قلّة توفير المواد الخاصّة بالصنع حالياً جعلت العمل أصعب، وأغلى مضيفاً: رغم هذا، هناك العديد من العوائل، وأصحاب المطاعم، يقومون بطلب ما يرغبون به من صناعة عراقية خالصة، وبأيدٍ محلية لعرضها في مطاعمهم أو مقاهيهم لإضافة الأجواء العراقية على المكان”. واشار أبو أحمد، الى إحدى الأواني العراقية، ثم قارنها بالأواني الصينية، ويتساءل بحرقة: “أترين الفرق؟ الفرق بين العملين والجهدين واضحٌ” ويكمل: “جميعنا ضد الاستيراد، لكن هذا ما حصل بعد العام 2003، ستلغى الهوية العراقية لهذه السوق إلا اذا ما تمّ تدارك ما يحصل لها”.
أربعة صفارين
لم يتبقَ من عشرات المحال التي كانت تعرض أعمالها اليدوية في السوق سوى أربعة محال.
إحسان الصفار (40) عاماً، صاحب أحد هذه المحال توارث هذه الحرفة من أجداده، وآل على نفسه الاستمرار للحفاظ على ما تبقى من هذا الارث العراقي، رافضاً رفضاً قاطعاً بيع المنتجات المستوردة، مصراً على بيع ما تنتجه يداه اللتان ما زالتا تطرقان بصوت عالٍ على الأواني وقدور الطبخ، مشيراً إلى أن “السوق تغيّرت وأهملت لسببين، أولهما، عدم وجود مُعلمين لهذه المهنة، بعد رحيل غالبية اسطواتها إذ إنَّ بعضهم توفي وبعضهم الآخر هاجر ولم يستطع إكمال المسيرة، ولم يتمكن أولادهم من بعدهم من إدارة الحرفة فاعتمدوا على الاستيراد”.
الأقمشة بين الأواني
ويرى الصفار أنَّ السبب الثاني لتراجع السوق هو استبدال المحال بمحال للأقمشة، التي أجبرت أغلب رواد هذا المكان على عدم زيارته.
متمنياً سماع صوت الطرق مجدَّداً، رغم تردي الحالة الاقتصادية للبلد، التي أنتجت إهمالا لهذا المعلم المهم، وساهمت بحسبه بشكل كبير بتناقص أعداد محاله وروّاده، مبيّناً أنَّه لا يعمل بالمستورد مطلقا، وأنَّ عمله يقتصر على إنتاج الطلبات الخاصة للزبائن والزوَّار، وبعضهم من العرب والأجانب، مضيفاً: “إذ ما زال أبناء الخليج يرفضون شرب قهوتهم إلا بدلال عراقية خالصة، ولا يحبذون القهوة السورية أو الهندية أو الصينية”، مشيراً إلى أنَّه يعمل بما يقسم له، وما يطلب منه فقط.

ندرة المواد الخام
وبينما يعيد الطرق على قدر كبير، يؤكد الصفار استيراده للمواد الأصلية الخام، عن طريق تاجر، يقوم بتوفير المواد له من أجل أن يتم العمل بصورة صحيحة. ويرى أنَّ هذه السوق كانت سياحيةً بامتياز، لكنَّها اليوم تفتقد حتى لزوَّارها العراقيين! مضيفاً: “كان يتمّ اعتماد الرسومات الأثرية والتاريخية، نظراً لكثرة الطلبات من قبل السواح الذين تبهرهم الحضارة والصناعة العراقيتين، فأصبح وجود هذه الرموز الأثرية ثيمة مهمة على الأواني، ولكنَّنا نرى اليوم استبدالها بنقشات وطبعات تجارية صينية، غير جاذبة وغير محبَّبة للعين”.
نهاية السوق
ويتوقّع السيد ماجد الصفار، وهو صاحب أحد المحال الذي توارثه من أجداده منذ أكثر من مئة عام، نهاية قريبة ومحتمة إذا لم يتم الانتباه لما تمر به هذه المهنة، السيد ماجد المختص ببيع التحفيات والأواني العراقية القديمة، ويملك كنوزاً تخطّت المئة عام بعمرها، من الصناعة العراقية، التي يرى أنّها لم تعد جاذبة للمواطنين بقدر الأجانب والعرب، مؤكداً أنَّ المستهلك العراقي يبحث اليوم عن الصناعة البرّاقة واللامعة، وهذه غير متوفرة في الصناعة العراقية العتيقة، إضافة لبحثه الدائم عن الأرخص، أي بما معناه أنَّ التقصير بحسبه لا يقتصر على أصحاب المحال وإنما من المستهلكين أيضاً.

الحنين إلى النحاس
وأوضح (ماجد) أنَّ اعتمادهم يكون في الغالب، على المغتربين القادمين من بلدان بعيدة، أولئك الباحثون بحنين عن وطنهم وذكريات أهاليهم وماضي بلادهم القديم، ويضيف: “قبل فترة قصيرة، عاد الطلب على المقتنيات العراقية النحاسية، بعد رواجها في السوشيال ميديا، وداخل المجتمعات مجدَّداً، لكن يبقى الطلب الأكثر على كل ما هو مستورد، متناسين جودة العمل العراقي وقيمته التي تبقيه لعشرات بل مئات السنين، قويّاً ومتيناً”.
ويبتسم السيد (ماجد) وهو يؤكد لنا مفارقة مفادها؛ أنَّ أقدم قطعة عراقية كانت لديه، اقتناها رجل لبناني، تجاوز عمرها المئة عام. بينما كانت مهمولة ومتروكة في إحدى زوايا المحل.
أما السيدة سوسن الحكيم، ربّة منزل، المهووسة بجمع الأواني العراقية القديمة، فتصف لنا وبفخر، جودة البضاعة المحلية، وقدرتها على التحمل والبقاء لمدّة أطول في المنزل، مؤكدةً شراءها المستمر للمنتج المحلي فقط حتى أصبح منزلها أشبه بمتحف صغير، مشيرةً إلى أنَّ الجمالية تكمن في تفاصيلنا التي لا يجيد صنعها سوى ابن البلد نفسه، وأنَّه لا يوجد أجمل من منزل تتخلله صناعة عراقية، تشعرك بقيمة بلدك.
وتدعو السيدة (الحكيم) إلى أهمية إعادة تأهيل هذه المحال وإعادة الطلب على المنتوج والصناعة المحلية ليصبح كل شيء عراقياً، عراقياً فقط.