من يتحمل المسؤولية؟

87

رجاء خضير/

” أقسى لحظة عليك عندما لا تجد منْ تخبره أنك لست بخير.”
(ح..) شاب شارف على الثلاثين من عمره، جميل الوجه, تخفي عيناه حزناً دفيناً, هادئ لا ينطق إلا بالقليل..
حينما عرف سرّ زيارتي له قال:
لنبدأ الحكاية من البداية: عشنا أنا وشقيقي (و..) بعد طلاق والدينا في بيت عمي لأن كلاً منهما رفَضَنا حين اختار شريكاً جديداً لحياته، الأمر الوحيد الذي قرره والدنا لصالحنا كان اتفاقه مع عمنا أن يرسل إليه مبلغاً من المال لسد احتياجاتنا.
صمت (ح..) لدقائق ثم أكمل قصته والدموع تملأ عينيه قائلاً إنه كان أصغر من شقيقه (و..) ومتفوقاً في دراسته، ومع إكمالهما المرحلة الابتدائية، فاجأهما العم مطالباً إياهما بأن يغادرا بيته قائلاً: “بناتي كبرن”، واتصل بوالدهما الذي أوصاه بإيداعهما في ملجأ أو دار للأيتام.. وهكذا كان.
“كانت الأيام الأولى لنا في الدار معاناة حقيقية، لكننا أرغمنا نفسينا على التعود والتحمل، وركزنا على الدراسة. فاجأني شقيقي (و..)، بعد إكماله المتوسطة بقراره أن يغادر الدار بلا عودة، سألته عن وجهته ونحن ليس لدينا من يكفلنا أو يرعانا، فكان جوابه، وبلغة قاسية، أنه مصر على ترك الدار حتى لو اضطر إلى النوم على الرصيف.. وغادرني مع وعد بأن يزورني بين فترة وأخرى.. لكنه اختفى ولم أعرف طريقاً إليه..”
بعد سنوات، و(ح..) يؤدي امتحانات البكالوريا في الإعدادية، اتصل به (و..) من خلال تلفون الدار وتحدثا طويلاً، فقد عمل (و..) عند تاجر للألبسة المستوردة الذي أعجبه إخلاصه وتفانيه لدرجة أنه سمح له بأن يعيش بغرفة في مخزن المحل بعد أن عرف ظروفه، وطالب شقيقه بأن لا يشغل باله في قابل الأيام، إذ سيبلغ عمره ١٨ سنة وعليه مغادرة الدار، ووعده بأنه سيعيش معه بعد انتهاء امتحاناته. ارتاح (ح..) لهذا الوعد وبدأ يحلم بالمستقبل الذي سوف يخططان له معاً وأنهى امتحاناته. ويوم ظهور النتائج جاء (و..) وشعر بفرحتين: معدله الذي يؤهله لدخول الكلية التي كان يحلم بها، وفرحة مغادرته الدار مع شقيقه. وفي الطريق أخبره شقيقه بأنه تزوج من فتاة كانت تعمل معه في المحل نفسه وبمساعدة التاجر، وأنه تمكن من تأجير بيت صغير. وبعد أن تعرف (ح..) إلى زوجة شقيقه، سألته دون مقدمات عما سيفعله في الأيام المقبلة، ولأنه فهم معنى سؤالها، لذا كان رده بأنه سوف يكمل دراسته وسيعمل ليعيل نفسه ويساعد شقيقه في المصاريف، ولاحظ تعابير الارتياح على وجهها.
وفعلاً، وحتى قبل بدء دوامه في كلية …….، جامعة بغداد، بدأ يقف في مساطر العمال في ساحة الطيران، وسرعان ما أصبح ضمن فريق (خلفة بناء) أعجب بدقته في العمل. ومع نجاحه في سنته الجامعية الأولى، كان قد جمع مالاً يكفيه لشراء سيارة ومساعدة شقيقه في تحسين أثاث بيته وشراء ما يحتاجه من أجهزة منزلية. في بداية سنته الثالثة، رجع إلى البيت، كعادته بعد المغرب، إذ كان يغادر البيت مع الفجر تقريباً إلى المسطر ومن ثم يذهب إلى كليته في دراسته المسائية ويعود بعد المغرب. في ذلك اليوم عرّفته زوجة شقيقه على قريبتها الشابة التي ستبقى عندهم لفترة بسبب مرضها وذهابها إلى المستشفى القريب من بيت شقيقه. خلال أيام معدودة، أيقن (ح..) أن زوجة شقيقه تحاول تقريب قريبتها منه فتتركهما لوحدهما، ومن ثم شعر بمحاولات القريبة أيضاً. ولأنه مشغول بدراسته وعمله الذي طوره ليصبح مقاولاً صغيراً ويبحث عن مكتب، وبعد أن ضاق بتصرفاتهما واحتراماً لشقيقه، أخبر (و..) بما كانتا تخططان له، لم يجبه أخوه إنما صرخ على زوجته وطالبها بإبعاد قريبتها عن شقيقه.
غيرت الزوجة تعاملها معه، فصارت تسمعه كلاماً قاسياً، وتبتكر المشاكل ولا توفر له العشاء، الوجبة الوحيدة التي كان يتناولها في البيت، وللمحافظة على ظروف شقيقه (و..)، اعتذر منه وغادر بيته ليعيش في أحد الأقسام الداخلية.
بعد شهر، كان (ح..) قد أجر مكتباً صغيراً ليصبح مقر عمله وإقامته ، ذهب (و..) لزيارته وأخبره بأن زوجته تتمناه زوجاً لقريبتها، وأنها وعدته بالكف عن محاولاتها وأقنعه بالعودة إلى البيت.. وعاد، وفاجأته زوجة شقيقه وقريبتها بالترحاب الشديد، وعادتا إلى تنفيذ خطتهما. ومع مرور الأيام و “لأنني شاب محروم ممن يعطف عليّ”، وحين تتركه الزوجة مع قريبتها لوحدهما، بدأ يستجيب لها، لكنه انتبه إلى تصرفاته وخشي أن يخطئ فيما لا تحمد عقباه، لذا هرب من البيت مرة أخرى بدون أن يبلغ شقيقه وذهب ليسكن في مكتبه.
يكمل (ح..):
بعد أيام معدودات، جاءني شقيقي وطالبني بإعادة المبلغ الذي أخذته من زوجته وقريبتها، ونفيت التهمة وشرحت له سبب هروبي من البيت، فهما كانتا تخططان للإيقاع بي لإلصاق تهمة التحرش، وربما هتك عرض ولا تستطيعان اتهامي بالسرقة ولاسيما أن زوجته تعرف أنني أساهم مالياً في دفع جزء من صرفيات البيت.
ولأن (و..) يعرف أخلاق شقيقه، لم يجادله وطالبه أن يذهبا معاً إلى البيت لإيضاح الأمور، وحين دخلا البيت، بدأ (و..) بالصراخ على زوجته وقريبتها وأكد لهما بأن (ح..) أخبره بتصرفاتهما وبمحاولات دفعه إلى الخطيئة مع القريبة لوضعه أمام الأمر الواقع.. تركت الزوجة الصالة وفجأة بدأت تصرخ وتقول إن قريبتها حاولت الانتحار بسبب الفضيحة بعد أن “اعتدى شقيقك عليها وسرق مالها..”
أسرع الشقيقان إلى الغرفة، وكانت القريبة ممددة على الأرض وكأنها مغشي عليها، حملها (و..) ووضعها فوق السرير، لتصرخ الزوجة به لفشله بإقناع (ح..) بالزواج منها بعد أن سلبها أعز ما تملك ولم يتمكن الزوج من إسكاتها.
ونترك (ح..) يكمل القصة:
لم أتحمل الوضع والكذب، فانفجرت براكين صمت السنين وعذاباتها وصرخت بوجهها ووصفتها بأقسى الصفات، لتغادر الغرفة لثوان وتعود وهي تصرخ بي وبشقيقي وأخرجت سكيناً محاولة طعننا لتنتقم لشرف قريبتها، ففقدت أعصابي ودفعتها بقوة ليرتطم رأسها بحافة النافذة فسقطت وسط بركة دم. جاء الجيران بعد سماع الصرخات، وتعاونوا معنا لنقلهما (الزوجة والقريبة المنتحرة) إلى المستشفى حيث فارقت الزوجة الحياة واعترفت القريبة بأن الانتحار كان تمثيلية من تأليف وإخراج الزوجة التي ذهبت ضحية فعلتها لدفعي إلى الارتباط بها والاستحواذ على ما أكسبه، علماً بأنني لست ثرياً، لكن نجاحي في عملي صور لها أنني سأكون مقاولاً كبيراً وثرياً.
……..
بعد اعتراف القريبة، وثبوت محاولة الزوجة المتوفاة لطعنهما، حكم على (ح..) لارتكابه جناية غير مقصودة. وأنا أستمع إليه لكتابة قصته، جاء شقيقه (و..) لزيارته وقال لي إنه أخطأ عندما لم يوقف زوجته عن محاولاتها منذ البداية وإنه تركها تطمع بما يكسبه (ح..)، وأضاف أن والديهما يتحملان المسؤولية كاملة عما حصل لهما، “فقد تركانا لوحدنا نواجه الحياة ومصاعبها واهتما بحياتهما وملذاتهما..”