مهدي عباس.. حارس الخيال

297

مقداد عبد الرضا /

وقع بيدي قبل فترة واحداً من اهم الكتب التي تعنى بالارشيف بتفصيل كبير انجزه الانكليز في العام 1916-1917, رحت اقلبه فوجدت (العجب العجاب)، يحمل الكتاب عنوان “من هم اهل وادي الرافدين”, وفيه شرح وافٍ وتفاصيل عن الناس في الحكومة والعشائر والاماكن وكيف يتحركون ويتصلون ببعضهم البعض,كانوا يترصدون كل صغيرة وكبيرة ويتابعون بجهد لايتعب ولا يتوقف, اتمنى ان يجد احدهم الوقت ويقوم بترجمته, لولا الارشفة لضاع الكثير.
لن أكتب عن الخيال هذه المرة، بل سأكتب عن الذي يحرس بهمّة ونشاط خيال البلاد. في عام 1991 اشتد العصف على البلاد وفيه عصف بأرواحنا، كنا نلوذ بعضنا بالبعض الآخر. لكن هذا لم يعد يكفي، إذ سرعان ما يكشفه النهار ويتسربل تاركاً خلفه لواعجَنا التي باتت تنمو كالهرم، ماذا أفعل وما الذي سيكون؟ هذا السؤال ظل يلازمني كثيراً حتى جاء يوم اتخذت فيه القرار، لابد من إعادة تشكيل الأشياء بطريقة أخرى، أن يعاد التوازن إلى روحي وأتخلص من الاضطراب الذي بات يؤرقني. هناك أشياء جمة تقع عليها عيني لا أستطيع الاحتفاظ بها في المخيلة المشوشة، هو القرار إذن؟ دورة صغيرة في التصوير الفوتوغرافي، ومن يكون المؤهَّل لتعليمي؟ إنه الراحل الكبير والمعلم فؤاد شاكر. كان فؤاد يعمل في جريدة الجمهورية، الأيام تترى والجزع ينأى بنا بعيداً.
بعد أيام ألمح شاباً وديعاً يبتسم بهدوء وكياسة يعمل في قسم الأرشيف، وبما أنني مهتم بالأرشفة، صرنا نتبادل بعض الأشياء البسيطة فاكتشفتُ، فيما بعد، شغفه بالسينما وهذا ما وطد علاقتنا. كان كريماً حميماً، إنه الاستاذ الناقد مهدي عباس.. حارس بيت الخيال في البلاد. تبادلنا كثيراً من الأفلام أيام أشرطة الـ(VHS). اتخذ العالم منذ زمن بعيد شهاداته في الصورة ونحن تعلقنا بالصوت، فمن يحمل هذا الوِزر؟ يأتي الأستاذ مهدي عباس ويطلعنا على كتيّب يعدّ الآن واحداً من أهم المصادر التي تساعد في الحصول على الأسماء والتواريخ والشرح الوافي لـ(99) فيلماً عراقياً (دليل الفيلم الروائي العراقي)، وبفرح غامر يكتب في مقدمة كتابه: “يهدف هذا الدليل إلى أن يكون مرجعاً مهماً لكل الباحثين والمهتمين بالسينما العراقية، وهو أول دليل من نوعه في العراق يقدم معلومات وافية ومركّزة عن جميع الافلام الروائية البالغ عددها تسعة وتسعين فيلماً اشترك في انتاجها القطاع الخاص والقطاع العام المتمثل بدائرة السينما والمسرح. لقد واجهت صعوبات جمّة في إعداد هذا الدليل بسبب قلّة المصادر وصعوبة الحصول على المعلومات الصحيحة والدقيقة في ظل تضارب البعض منها. اعتمدت بشكل أساس على المشاهدة الشخصية لهذه الأفلام واللقاءات العديدة مع صانعيها وأرشيفي الخاص وأرشيف دائرة السينما والمسرح، وأنا أضع هذا الدليل بين يدى الباحثين والمهتمين بالسينما العراقية وكلي أمل أن تحل أزمة السينما العراقية لنتحرك من جديد ونبدأ بتصوير الفيلم العراقي رقم مئة، مع جزيل الشكر لمن ساعدني في إعداد هذا الدليل.” في هذا الدليل يرسم لنا المؤلف خارطة واضحة لمجمل الانتاج؛ السينما العراقية أرقام ودلالات، الإنتاج، خارطة عرض الأفلام، الإخراج، التمثيل، مواضيع السينما العراقية، التصوير، أفلام لم تعرض، وينتهي إلى سرد جميع مواضيع الأفلام وأسمائها وسنوات العرض وأسماء العاملين فيها من الممثلين والفنيين.
نصفق لهذا، لكن هذا التصفيق لم يضع الأستاذ مهدي في دائرة الاسترخاء، كما يحدث عند آخرين، بل زاده إصراراً على المتابعة فحرص على مدى السنوات العشرين على إنجاز أهم الكتب. ففضلاً عن الإصدار الأول، أنجز موسوعة المخرجين العرب في القرن العشرين، وكتابات في السينما العراقية، وقضية شعب، ودليل الفيلم الروائي الطويل ج2، والدليل الشامل للفيلم الروائي العراقي الطويل، والسينما العراقية عام 2013-2014، والسينما العراقية عام 2014-2015، وأفلام ولكن (أفلام بغداد عاصمة الثقافة)، وبغداد في عناوين الأفلام، والسينما العراقية عام 2016، والسينما والإرهاب، وأفلام كوردية ((لم نكن نعرف عن هذه السينما غير فليم (نرجس) الذي أنجزه الاستاذ الراحل جعفر علي))، وعرّاب السينما العراقية، والسينما العراقية عام 2018، وحكايات سينمائية عراقية، ومخرجون وأفلام، والسينما العراقية عام 1917-1918، وبوسترات السينما العراقية، والسينما العراقية 2018-2019، والسينما العراقية 2019-2020. لكن إنجازه الأخير: (أفلامنا العراقية من العام 1946-2020) يعدّ واحداً من أهم الإنجازات التوثيقية السينمائية التي يمكنها أن تغني الباحثين، وقد بذل جهداً لا يضاهى ابتدأ من فيلم (ابن الشرق) وانتهى إلى الإنتاج السينمائي العراقي بجدول هو غاية في الأهمية والتفصيل الواضح.
في بداية الكتاب يتذكر جهود الآخرين ولا يبخسهم حقهم على الرغم من النسيان الذي تعرضوا له، إذ بدأ بالراحل أحمد فياض المفرجي، وحاول أن يجمع كل الوثائق والكتابات عن السينما العراقية، لكن هذه الوثائق والكتابات الصحفية والأرشيف كلها احترقت وذهبت مع الريح، لعلها لم تحترق كلها، لكنها من الممكن أن تذهب، إلى أين؟ لا ندري.
نرفع القبعة لهذا الجهد الذي قدمه لنا الأستاذ مهدي عباس على طبق من معرفة ومودّة حميمة، شكراً للجهد الطيب ومبارك لك .