مهلاً غرباء وطني

117

رجاء خضير /

خريف الذكريات يزحفُ الى مخيلتي التي باتت بلا ذاكرة ولا حياة بعدك. ماذا تريد أيها القلب المتجبر أن تقول للأيام الآتية؟
قل لها ثلاثة أشياء؛ خريفُ مبكر وذاكرة مريضة، وأيام لا تاريخ لها….
هكذا نحن.. نحن هكذا..
(م) امرأة الأربعين من عمرها، تقول: سأقص عليك حكاية أختي (ع) التي خسرت شبابها بسبب طيشها وتمردها على الواقع بكت (م) وهي تقول:
شقيقتي (ع) كانت جميلة وذكية، لها مكانة كبيرة عند والدي الذي بذخ عليها الكثير كي تحقق رغبتها في الدخول الى إحدى الكليات المرموقة عندنا وهناك أحبتهُ، إنسانُ هادئ جميل المظهر اطلعتني على سرّها هذا، واصطحبتني ذات يوم الى الكلية، تعرفت عليه وحدثتهُ طويلاً عما ينوي فعله بعد التخرج، أجابني بلا تردد: سأتزوجها ونسافر حيث أهلي يعيشون في دولة (!)
سألته: هل صارحت أهلك بأن منْ تحب من غير قوميتك؟
قال: هذا لا يهم ولا نفكر به، وعائلتي متفتحة ولا تفكر بهذا الاختلاف.
باركتُ حبهما وعدتُ الى البيت، سألتني أمي: لماذا أنتِ شاردة يا ابنتي؟ واين أختك؟ لماذا لم تعد معكِ الى البيت؟ عندها محاضرات كثيرة يا أمي، كان هذا جوابي لها.
عادت (ع) الى البيت وأمطرتُها بأسئلة وتحذيرات من نزواتها، أو أن تتلاعب بمشاعر هذا الإنسان فهو جيد وعلى مستوى من الأخلاق، ضحكت (ع) وقالت لي: لا تخافي يا أختي، فأنا أحبه كثيراً، وهو أفضل طالب في مجموعتنا.
صمتت (م) قليلاً ثم أكملت حديثها فكرتُ وقتها، لو كان هناك أفضل منه لاختارته بدلاً من حبيبها الآن؟ لم اطلعها على مخاوفي ومشاعري، بل بدأت أراقب تصرفاتها من بعيد.
انقضت سنوات الدراسة وتخرجا، وفعلاً أتى الى بيتنا مصطحباً احدى قريباته وطلبا يد أختي (ع) للزواج، وافق والدي بعد أن تأكد من حسن أخلاقه ومن رُقي عائلته التي تعيش بالخارج منذ سنوات طويلة.
تمت الخطوبة ثم الزواج واستعدا للسفر الى حيث يقيم أهله، وفي أثناء هذه الفترة كنت أسألها هل هي مقتنعة بالزواج منه، وذات يوم قلتُ لها أمامك الوقت اذا أردتِ التراجع، فالزواج ليس مظاهر وسفر، ردت عليّ بصوت عالٍ: ما بكِ اتركي هذه المحاضرات التي صدعتِ بها رأسي! أجبتها: إنه انسان صادق المشاعر تجاهكِ وأنا أعرفك جيداً الستِ أختي صاحبة المزاج المتقلب! خرجتْ من الغرفة ولم ترد عليّ.
أضافت (م)
بعد فترة قصيرة سافرت أختي مع زوجها الى حيث يسكن أهله الذين رحبوا بها، بل استأجروا لهما شقة قريبة منهم، أكدت لنا (ع) في رسائلها سعادتها وارتياحها معه ومع أهله، وقد عملا في مكانٍ واحد، وبعد مضي عام أصبحت أماً لتؤام (ولد وبنت) جميلين فرحنا بهما، وهنا عزمت أمي على السفر اليها ومساعدتها في فترة بتربية الطفلين.
سافرت أمي التي كانت تهاتفني يومياً لتطمئنني على اخبار أختي، وشعرتُ ذات يوم أن صوت أمي غير طبيعي وبه غصة! طمأنتني بأن تغيّر الجو أثر فيها ولا شيء غير ذلك!! ولكن قلبي كان يقول غير ذلك! أمي تخفي عني شيئاً ما حتماً!
أردفت (م): من حسن حظي أن لي صديقة تعيش في المنطقة نفسها التي تقطنها أختي وهي على تواصل معها، فالغربة تجمع وتقارب بين الغرباء. أوضحتُ لها أنني أريد الاطمئنان على صحة أمي لذا عليها زيارتهم ومعرفة ما بهم!!
مرّت أيام ولم تتصل بي صديقتي، ما جعلني أتصلُ أنا بها لتخبرني بما لا يسرُ! أمي مريضة جداً بعد اكتشافها العلاقة المريبة بين أختي وضيف دائم الزيارة لهم من بلد (!) وهو غريب ايضاً!
وأكدت لي أن أمي تواصل مراقبتها لهذا الضيف ولأختي دون لفت انتباه زوجها!
وصدمتُ بأن كارثة ستحلُ بنا، فأنا اعرف أختي كثيراً… فهي متقلبة المزاج ولا تطيل عمراً مع الأصدقاء! فكيف مع حبيبها وزوجها!
اتصلت بأمي وفاجأتها بالحقيقة التي أخفتها عني وطلبتُ منها العودة باصطحاب أختي والطفلين، بحجة مساعدتها في وطننا فترة من الزمن!! بكت أمي وقالت لي: اقترحتُ عليها هذا الأمر ولكنها رفضت لأن الطفلين ما زالا صغيرين.
تضيف (م): سألتُ أمي ماذا ستفعل تجاه هذه العلاقة غير المشروعة التي اقامتها (أختي) مع هذا الصديق الخائن، أجابت: لا أعرف كيف أتصرف، وأنا في بلد الغربة، وكل فرد مهتم بأمرهِ فقط!
هنا الناس يختلفون عن ناس وطننا يا ابنتي!! أغلقت الهاتف وأنا افكر بكتابة رسالة الى زوجها أحذره من صديقه السيئ هذا، ولكن استوقفتني أوضاع أمي والطفلين وأختي الخائنة أيضاً.
بعد أيام استجمعت شجاعتي وأرسلت هذه الرسالة الى صديقتي كي تعطيها بدورها الى الزوج المخدوع وفعلاً وصلت الرسالة، وأبلغتني صديقتي أنها ستذهب في اليوم التالي لإيصالها.
في اليوم التالي اتصلت بي حسب الموعد بيننا وهي تبكي وتقول، لم أتمكن من إيصال الرسالة، إذ وجدتُ الشرطة تملأ المكان حيث وجدوا زوج أختك مقتولاً في شقة أختك التي قبضت عليها الشرطة هي وعشيقها بعد أن اتهمتهما أمكِ بهذا الفعل الذي أكده أهل الزوج القريبون منهما حيث قالت أم الزوج: كثيراً ما نصحتُ ابني من هذا الصديق، ومن زوجته الخائنة ولكنه لم يلتفت إليّ! وكان يقول: أمي نحن في الغرب ولسنا في وطننا العراق! أغلقت الهاتف معها بعد أن رجوتها أن تبقى مع أمي وأن تساعدها في محنتها هذه.
وختمت (م) حكايتها بالقول: هل أصبحت المبادئ والقيم النبيلة السامية مثالب! وهل أصبح الانحلال والفساد هما الشائعين في الحياة؟ مهلاً.. يا غرباء وطني ترفقوا بأخلاقكم ومبادئكم ودينكم، ولا تبيعوا أنفسكم للشيطان!!