موجز تأريخ العرب في بلاد الرافدين

771

علي محمد جواد :باحث اثاري/

من المعروف أن العرب هم سكان الجزيرة العربية في نجد والحجاز واليمن ودول الخليج العربي الصغيرة. وهذا لا يعني عدم وجود أقوام أخرى كانت تسكن الجزيرة العربية مع العرب أو قبل وجود العرب التاريخي.ومن الخطأ القول إن كلّ من هاجر من الجزيرة العربية إلى الأراضي المجاورة خصوصاً إلى سوريا والعراق هم من العرب في مختلف الأزمنة وفي تدفق الموجات البشرية من الجزيرة (التي نسميها الآن الجزيرة العربية).

مدن عظيمة

لقد نشأت في الجزيرة العربية مدن عظيمة على الأنهار الكبيرة عندما كانت الجزيرة العربية أرضاً خضراء خصبة، ثم بعد فترات زمنية أصبحت صحراء قاحلة في أغلبها تعتمد على العيون والآبار وسوف ترجع هذه الصحراء أراضيَ خصبة مرة أخرى بتغير مناخها في المستقبل كما ذكر ذلك النبي محمد (ص).

لقد أطلق بعض المفكرين على الموجات البشرية التي وفدت إلى سوريا والعراق من الجزيرة العربية في مختلف العصور التاريخية لقب (الساميين) نسبة إلى سام بن نوح، وهذا لقب يعتمد على مفهوم العنصر السامي في مقابل عناصر بشرية أخرى كالعنصر الآري الذي يختلف عنه في خواصّه العديدة. ولكن علماء الآثار لا يحبذون هذه الاختلافات العنصرية البشرية ويفضلون تسمية هذه الموجات البشرية بـ (الجزريين) نسبة إلى أرضهم التي قدموا منها وهي الجزيرة والتي سميت لاحقاً بالجزيرة العربية.

من الطبيعي أن يرث العرب في لغتهم العربية كلمات كثيرة من اللغات القديمة للأقوام السالفة التي كانت قبلهم في الجزيرة العربية، حتى أن لغتهم القديمة هي ليست لغتهم في زمن الجاهلية القريبة من بعثة الرسول محمد (ص). وجاء الإسلام بالقرآن الذي أخذ أجمل ما في لهجات القبائل العربية وبقيت في غالبيتها كما هي الآن بفضل وجود القرآن وهو المستوى اللغوي والأدبي الأعلى في اللغة العربية والذي سيبقى كذلك إلى يوم القيامة.

الأمير العربي جندبو

لقد حكم الملك الآشوري شيلمنصر الثالث ( 858-824 ق.م) من العاصمة الآشورية كالح (وتسمى نمرود) في الموصل، وقد أرسل حملات عسكرية عديدة إلى بلاد الشام حيث جرت معارك عدة أشهرها موقعة (القرقار) على نهر العاصي عام 853 ق.م. وقد ورد ذكر اسم العرب لأول مرة في أخبار ملوك العراق القديم، إذ كان أحد الأمراء المتحالفين ضد الملك (شيلمنصر الثالث) هو الأمير العربي (جندبو). وفي الرسومات الجدارية والمسلات وجدت لاحقاً صور لمحاربين عرب يركبون جمالاً وهم يهربون أمام الجيش الآشوري، ولربما في فترات أخرى استخدم الآشوريون القبائل العربية وجِمالهم وخيمهم في الحرب ضد أعدائهم.

سنطروق ملك العرب

بعد سقوط بابل في العام 539 ق.م أصبحت بلاد الرافدين (العراق القديم) مسرحاً للصراع بين الامبراطوريتين العظيمتين في ذلك الزمن وهما بلاد فارس والإسكندر ثم السلوقيون والفرثيون والساسانيون والرومان. ومن الطبيعي أن يسيطر الغزاة على المدن الكبيرة المطلة على نهري دجلة والفرات.

في هذه الفترة حصل فراغ سياسي وعسكري داخل بلاد الرافدين سمح للقبائل العربية أن تتدفق من الجزيرة العربية إلى سوريا والعراق بعضها مع مجاري الأنهار والقسم الآخر نشأ على أطراف بلاد الرافدين القريبة من صحراء الجزيرة العربية فتأسست المدن العربية الصحراوية الواقعة على طرق القوافل التجارية بين سوريا والعراق والجزيرة العربية وسميت بمدن الصحراء مثل تدمر والحضر والبتراء.

وقد شيدت مدينة الحضر العربية في القرن الثاني أو الثالث قبل الميلاد وظلت مزدهرة حتى منتصف القرن الثاني بعد الميلاد. وفي بداية نشوء الحضر حكمها الكهنة ثم السادة ثم أصبحت مملكة وأول ملوكها المشهورين هو(سنطروق) الذي لقب نفسه في الكتابة المكتشفة في المدينة عام 1961 بـ(ملك العرب) واسم أبيه (نصر) الكاهن الأعلى.

وقد فشل الرومان في احتلالها أكثر من مرة. وتم العثور على مجاميع مهمة من النصوص الآرامية في مدينة الحضر.
وقد دمر الملك الساساني سابور الأول مدينة الحضر العربية عام 241 بعد الميلاد. وظل العراق لأكثر من أربعة قرون تحت الحكم الساساني. وفي زمن الملك يزدجرد الثالث (632-651 م) انتهى عهد الدولة الفارسية في العراق على أيدي العرب المسلمين في معركة القادسية.

مملكة الحيرة والمناذرة

وهي دويلة عربية تكونت في بداية القرن الثالث الميلادي في منطقة جنوب الكوفة، وأصل أهلها وملوكها من عرب اليمن عرفوا بالمناذرة واللخميين وكان أهلها نصارى على المذهب النسطوري. ومن ملوكها الأوائل امرؤ القيس الأول (القرن الرابع الميلادي) والنعمان الأول والمنذر الثاني. وانتهى عهد هذه الدويلة العربية في زمن النعمان الثالث الذي يُكنى (ابو قابوس) 580-602 م، وصار الملوك الساسانيون يتدخلون في شؤونها فانحاز عرب الحيرة إلى خالد بن الوليد في فتحه العراق عام (633) ميلادي.

وتدفقت القبائل العربية بقوة إلى بلاد الرافدين، أي العراق، مع الفتوحات العربية الإسلامية وبنيت البصرة ثم الكوفة ثم واسط ثم بغداد ثم سامراء ثم الموصل، وأصبح العراق في العصر العباسي مركزاً للحضارة العربية الإسلامية بل الحضارة الإنسانية، بعدها ضعفت الخلافة في بغداد حتى غزاها المغول ودمروا كل شيء وضاع العراق في خضم الصراع الفارسي – العثماني حتى الحرب العالمية الاولى 1914 .