موصليون ناجون لـ “الشبكة”:لا يعلم أحد حقيقة ما حصل سوى الضحايا!

497

آيه منصور/

لم يتسبب احتلال داعش للموصل بتهديم البنى التحتية أو منازل المواطنين وممتلكاتهم، أو الآثار والكنوز التاريخية فحسب، إنما هدم الروح الموصلية وأحبطها حينما فرض على أهلها حياة سوداء مظلمة، فارضاً عليهم العيش تحت جناح الذل والعبودية فلم يتمكنوا من الفرار منه إلا بالموت، هذا ما تقوله شهادات بعض الموصليين الناجين أنفسهم، الذين تمكنا من الوصول إليهم والحديث معهم:

والوجع ولاية الدم

فارس الموصلي، حكَم دولي للعبة البليارد، يحدثنا عن ذعره لحظة دخول داعش:

– استيقظنا صباحاً على أصواتهم، كانوا يرتدون الملابس السود التي تشبه قلوبهم تماماً، وبلحظة واحدة انتقلت الموصل من الحياة الطبيعية الى عالم الفوضى والجريمة والاضطهاد، الناس خائفون ولا يدركون مصيرهم، كانت اللحظة الأكثر تعاسة في حياة الموصليين هي تلك اللحظة التي احتل فيها داعش محافظتهم.

اما الممنوعات، التي تبعت دخولهم، فكانت سبباً لترك العديد من السكان أعمالهم وبالطبع “البليارد” ومن يلعبها، كانوا كذلك من الضحايا.
ويستطرد فارس:

– تعطلت الحياة في الموصل جرّاء شروطهم القاسية، كان علينا أن نطبق فروضهم أو نقتل ولا نستطيع إلا أن نكون معهم لأننا لا نملك السلاح لمواجهتهم، ومن يدافع عن الموصل من المدنيين يموت لامحالة. اما اجتماعياً فقد فرضوا على النساء ارتداء خرقة سوداء طويلة، في حال خروجهن من المنزل وعلى الرجال قص بناطيلهم وثيابهم وتطويل لِحاهم.

الاحتجاز والتعذيب

وكما ذكر فارس فقد تعرض الى الاحتجاز ثلاث مرات، المرة الأولى دامت لأكثر من 37 يوماً، تخللها الكثير من التعذيب، والمرة الثانية تم احتجازه لثلاثين يوماً ثم للمرة الثالثة التي دامت أسبوعاً ، والسبب لهذا كله كان “أن لعبة البليارد حرام”!
ويمضي:

– في كل مرة يأتون فيها يطرقون الباب بقوة وعنف ثم يسحبوني أمام أطفالي الذين كانوا يتباكون ولا يعلمون هل سأعود لهم أم لا، كانت حجة اعتقالاتهم المتكررة لي لكوني حكماً دولياً في لعبة البليارد وهم يظنون أن هذه اللعبة تشيع الفساد في الأرض. وحينما أخبرهم أنها لعبة رياضية بريئة واعتيادية، كانت أقدامهم وهي تدوس في بطني هي الإجابة. يحدث هذا بشكل يومي من دون احترام لعمري، كما كان معي، في مكان الاعتقال، أشخاص كانوا معتقلين لأسباب سطحية للغاية، ومن كان يعترض يقتل. ذلك أن القتل وجبتهم اليومية التي لا يستطيعون الاستغناء عنها.

ويؤكد فارس أن جزعَه، طوال هذه السنوات الثلاث، جعله يخشى أن فرص تحرير مدينته لم تعد قائمة.
دخول الجيش وهروب داعش

ويقول فارس:

– قبل دخول الجيش تعرضنا لقصف عنيف من قبل داعش، وكان دخول الجيش بطيئاً بسبب الحرص على عدم إصابة الناس والعوائل، لكن حينما تمت محاصرة الدواعش كلياً، تقدموا بسلاحهم إلينا وطلبوا أن يعتلوا سطوح المنازل، الأمر كان مربكاً لنا، اذ يتسلق بعضهم السطح بسلاحه فيما تختبئ تحته العوائل، لذا قمت أنا بإقفال الأبواب الخاصة بمنزلي ولم أسمح لهم بالدخول، وعند الفجر كانوا قد ارتدوا الأغطية بكل جبن وهربوا!

ويضيف فارس فيما يبكي بحرقة وهو يتحدث:

– في الصباح قام أحدهم بطرق الباب ولم أصدق عيني، لقد كانت الملائكة، اذ لم أر جندياً أمامي منذ ثلاث سنوات، قال لي: اخرج يا عم أنت بأمان، ولم أصدق أيضاً، حتى سلمني سيجارة! وحينها تيقنت أنهم جنود حقيقيون!

الستلايت حرام

حسنين، الذي يعمل في محل لبيع الأجهزة الكهربائية، يرى أن ما حدث خلال هذه السنين الثلاث لا يمكن محوه بسهولة من ذاكرة الموصليين، وأن تطبعهم – وإن كان مفروضاً- على نمط حياة غرائبية، جعلهم يعتادونها لشدة الخوف، يقول حسنين:

– لم نتأقلم، لكننا أجبرنا أنفسنا على جميع متطلباتهم حتى صارت جزءاً من حياتنا، حينما دخلوا محلي التجاري وكسروا معظم ما فيه، قمت بإخفاء بعض الأجهزة في منزلي لكن مخبراً ما أوصل لهم المعلومة وتم استدعائي أكثر من مرة حتى احتجزوني لعدة أشهر، وبعد خروجي صار ولدي يسألني اذا ما كانت مشاهدة التلفاز حلالاً أم حراماً بسبب ما حصل لي، ما دفعني لإجبار أطفالي على ترك المقاعد الدراسية ومنعهم من الخروج مطلقاً لتحاشي كل ما سيزرعونه في عقولهم.

ويذكر حسنين أن أكبر المصائب التي حلت عليه حينما قتلوا عمه البالغ من العمر سبعين عاماً من دون أدنى سبب:

– منذ تلك اللحظة فكرت بالهرب لكن لم أستطع لخوفي من قتل بقية أفراد أسرتي، بقيت سجين المنزل طوال هذه السنوات.
ويؤكد أن سكان المنطقة كانوا حينما يجتمعون عند العصر تنتابهم حالة توجس وخوف شديدين:
– لم أتخيل ولو للحظة واحدة تحرير مدينتنا.. الأسئلة التي راودتني كثيرة، خاصة حينما صرح أوباما أن داعش سيبقى في العراق سنوات طويلة، كنا نرى على التلفاز كيف يعيش البشر حياتهم ونسأل بعضنا، هل سيأتي اليوم ونعيش كما يفعلون ونسير في الشوارع هكذا ببساطة؟

قبر الموصل الكبير

سرى، المعلمة التي خسرت عائلتها دفعة واحدة، ولم يتبق لها سوى جدها، تبكي أكثر مما تخبرنا بحكايتها، لقد كانت دموعها أكثر الإجابات صدقاً وألماً:

– لقد تركت طلابي ومدرستي، ثم تركتني عائلتي، في الأيام الأولى لدخول داعش، لم أفعل شيئاً سوى تلبية طلباتهم العامة، ارتداء الخمار، واللباس الطويل، ثم صاروا يدخلون الى المدرسة لاختيار بعض المعلمات غير المتزوجات من أجل نيلهن، لقد كان الأمر مرعباً.

وتخبرنا سرى أن معرفة والدها بهذا الأمر دفعه للتخطيط من أجل الهروب من الموصل، وفي اليوم الذي خرجوا به وكانوا خمسة أشخاص كشف داعش خطتهم، وقام بقتل الأب وأخويها الاثنين.
وتقول سرى:

– طوال هذه السنوات الثلاث لم أر الشارع كيف يكون، ولم أعرف من بقي ومن قُتل من جيراننا، كان الجيران يزوروننا بين فترة وأخرى من أجل الاطمئنان علينا، فيخبروننا بقصص مأساوية، لم أكن أصدقها حتى تحرير المدينة ومشاهدتها بنفسي.

وتؤكد سرى: إن تقدم الجيش الى منطقتها وتحريرها جعلها ترى الشارع للمرة الأولى.. لقد كانت أمنيتي أن أدفن أخويّ وأبي، حتى أتمكن من زيارتهم وإخبارهم أن الموصل قد عادت!!

وتختم بالقول لا يعلم أحد حقيقة ما حصل في الموصل سوى الضحايا!