ميريل ستريب استعادة ألق الماضي

79

مقداد عبد الرضا /

من بين العشرات من الممثلين أجزم أنني أستطيع أن أفرز الممثل الجيد من الممثل الضعيف, الممثل الجيد هو الذي عادة ما يكون مهموماً بسحر ألعابه. حينما جسد الممثل الروسي كريتسينكا دور الزوج المخدوع في فيلم (آنا كارنينا), أبهر العالم بأدائه, لم يكن المخرج هو من أنجز هذه البراعة، بل هي الموهبة التي تولد مع الصرخة الأولى. عن هذا التجسيد الرائع يقول كريتسينكا حينما سألوه كيف تمكن من أن يكون بهذا الألق, قال: “تلك اللحظة وكل الزمن.”
في ثمانينيات القرن المنصرم، حينما حط الرئيس الأميركي (الممثل) رونالد ريكن رحاله في البيت الابيض وأقام في سدة الحكم ثماني سنوات رئيساً للولايات المتحدة الأميركية استطاع فيها أن يدفع بموهبتين كبيرتين إلى التألق عبر شاشة السينما وأن يجعل منهما أسطورتين في الاداء.
الاثنان هما روبرت دينيرو وميريل ستريب, هذان البارعان استطاعا أن يعيدا لنا ألق السنوات التي لعب فيها الكبار وساهموا في إرساء سحر الأداء.
ستديو الممثل الذي أنشأه لي ستراسبوغ وإليا كازان له الفضل في تخريج دفعة مهمة من الممثلين الذين كانت لهم علاقة وطيدة بسحر المسرح وروعته, فكان مارلون براندو, بول نيومن, مونتغمري كلفت, جاك نيكلسن, سدني بواتييه, شيلي ونترز, ماكسمليان شل, آل باشينو. هذا الاستديو اعتمد طريقة ستنسلافسكي في التعبير، أو مايسمى (المنهج) وهو الأسلوب الذي له علاقة كبيرة بالمسرح, الذين يأتون من المسرح عادة يكون حضورهم طاغياً أكثر من الأساليب الأخرى.
لم تأت ميريل ستريب من هذا الاستديو، لكنها كانت واحدة من أهم من عرفوا طريقته, لقد جاءت من المسرح، وهذا كفيل في أن تضع قدميها على الطريق الرصين والأداء الساحر، وهذا ماكان عبر المسيرة العظيمة التي قدمتها, لقد جاءت من مسرح فيه روح تنسي وليامز وآرثر ميللر، وفيه حصلت على الكثير من الجوائز والتفاف النظّارة حولها.
لنعد إلى الوراء حيث الولادة التي كانت في العام 1951 في مدينة نيوجرسي, بعد الانتهاء من الدروس الأولية حطّ شغفها على لعبة التمثيل، فكانت مدرسة بيل للتمثيل خير طريق, ثلاث سنوات من الدراسة العميقة والهمّة العالية التي جعلتها تنطلق بثقة كبيرة للعمل في مجال التمثيل.
تجسَّد ميلها إلى الكوميديا, لمَ لا، وهي التي ستبرع فيما بعد بواحد من أجمل أدوارها الكوميدية (الموت يقترب 1992) مع المخرج روبرت زماكس والممثل بروس ولس. باقتدار عال استطاعت أن تكون واحدة من أهم الممثلات اللواتي جسدن أدواراً في مسرح شيكسبير.
لموسم كامل أوقعها شكسبير في الحب, الحب الطاغي والمجنون, إذ ظهر الممثل جون كزال في حياتها, أحبته بكل مشاعرها حتى قيل إن الحب بين ميريل ستريب وجون كزال يبدو وكأن ليس هناك محبون على وجه الأرض غيرهما.
هذا الجون كزال الذي سعدت بالعمل معه في فيلم للمخرج مايكل شمينو (صائد الغزلان 1978) الذي كان رداً على فيلم كبولا (القيامة الآن)، هذا الحب أربكها تماماً وجعلها تقيم ثلاثة أشهر بالقرب من حبيبها يوم أصيب بالسرطان. مات جون كزال فحزنت حزناً كبيراً عليه، وتصدع قلبها جراء هذا الغياب.
لكن ذلك لم يوقفها عن حبها الكبير: التمثيل. قبل (صائد الغزلان) كان المخرج فريد زنمان قد اختارها في فيلمه الرائع (جوليا)، وكان اختباراً صعباً للغاية, تنافساً كبيراً في التجسيد, أمامها تقف فانيسا ريدكريف التي جسدت باقتدار كبير دور جوليا, كذلك جين فوندا التي قامت بدور ليليان هلمن، والكبير جيسن ريباردوس بدور داشل هامت.
نجح الفيلم نجاحاً كبيراً ومهّد الخطوات الأولى والصحيحة لميريل ستريب على بوابة السينما الكبيرة.
منذ بدايتها جعلتنا نعود بذاكرتنا إلى أيام مجد هوليوود, أيام كريتا كاربو, بيتي ديفز, انكريد بيركمن, آفا كاردنر.
دخلت ولأول مرة عالم التلفزيون وجسدت دوراً مهماً في الفيلم التلفزيوني (المحرقة) الذي جعل المخرج وودي آلن يختارها في فيلم (مانهاتن) حيث لعبت دوراً مهماً (جل ديفز) الذي حصلت فيه على جائزة (البافتا) عن دور مساعد.
في العام 1980 لم يكن المخرج روبرت بنتون قد تعرف عليها بعد, لذلك حينما أراد أن يجد زوجة تشارك البطولة مع الممثل الكبير داستن هوفمن في فيلمه الكبير والمهم (كريمر ضد كريمر) اتصل بنتون بهوفمن وطلب منه أن يعرِّفه على ميريل ستريب.
يقول عنها هوفمن، وعن هذا اللقاء الذي تم بينها وبين المخرج بنتن: “للمرة الأولى التقيها, كان تصدعها واضحاً من سكوتها المطبق والعميق حزناً على الحبيب كزال.”
وبسرعة فائقة استطاعت أن تكون الزوجة البارعة في الفيلم، ليحصل الفيلم على جوائز كبيرة ومهمة: أفضل فيلم، وأفضل مخرج روبرت بنتن, وأفضل ممثل داستن هوفمن، وأفضل ممثلة مساعدة ميريل ستريب.
كذلك فاز الفيلم بجائزة أفضل سيناريو. تألقت ستريب كثيراً في هذا الدور: “دموعي سهلة النزول, إنها جزء من حياتي المضطربة, الدور هو الذي يدفع بي إلى التذكر, تذكر الغياب, غياب الرفقة, غياب جون كزال, وبسرعة فائقة أجهش بالبكاء.”
أحيانا نتساءل: هل النسيان نعمة أم نقمة؟ كان النسيان نعمة بالنسبة لها, كانت ترغب في المضي بسرعة نحو أحلامها. هل الحياة عبارة عن تذكر وألم وتطلع إلى صور المغيبين؟ أم أن الحياة لابد أن تعاش بكل مافيها من أحزان وأفراح ؟
وجودنا هو أن نكون في دائرة الحلم والإنجاز, إن كلمة (أسعى) هي المفتاح الوحيد الذي يدلنا على زهو الحياة وألقها.