نفط العراق.. والسِّجال بين أوبك والغرب

62

د. بلال الخليفة /

التجمعات (الكارتلات) لأي نشاط هي اجراء طبيعي لحفظ مصالح أعضاء ذلك التجمع، فبعد انشاء كارتل الدول المصدرة للنفط (منظمة أوبك) في ايلول 1960 ببغداد للدول المصدرة للنفط، كان انجازا لتلك الدول، وكانت للعراق خصوصية في ان الاجتماع الأول هو في بغداد. وكانت لذلك التجمع إنجازات كبيرة اهمها التخلص من عقود ظالمة كانت الدول المنتجة تعاني منها، الا وهي عقود الامتياز المجحفة.
وفي حزيران عام 2018، أعلن وزير الطاقة السعودي خالد الفالح أن منظمة البلدان المصدرة للنفط “أوبك” دعت روسيا للانضمام إلى المنظمة بصفة مراقب.
وللعلم فإن روسيا غنية بالوقود الأحفوري (الغاز، والبترول، والفحم)؛ إذ تمتلك أكبر احتياطي للغاز 19.8 % في العالم، وثاني أكبر احتياطي للفحم 15.2 % في العالم، وسادس أكبر احتياطي للبترول 6.1 % في العالم. كذلك فإن روسيا ثالث أكبر الدول المنتجة للبترول، إذ بلغ إنتاجها 11.438 مليون برميل في اليوم للعام 2018، بعد السعودية التي بلغ إنتاجها 12.287 مليون برميل، وأميركا التي بلغ إنتاجها 15.311 مليون برميل، كذلك فإن روسيا ثاني أكبر دولة -بعد السعودية- مُصدرة للبترول، كما ان روسيا أيضاً أكبر دولة مُصدرة للغاز، فهي تصدر 26.3 %.
بعد ذلك كان لقرارات المنظمة التأثير الكبير في الحفاظ على أسعار مرضية للدول المنتجة، وهذا ما كان واضحا في انهيار أسعار النفط أيام جائحة كورونا، حين كان قرارها بتخفيض أكثر من سبعه ملايين برميل يوميا من النفط الخام خلال شهري شباط وآذار 2021 وفي وقتها خفضت العربية السعودية مليونا آخر خارج التزامها وبشكل طوعي وهي الخطوة التي وصفها نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك بأنها “هدية العام الجديد”.
ان لمنظمة أوبك بلس أهمية كبيرة تتلخص في:
1 – مواجهة احتكار الدول المستهلكة للنفط بواسطة شركاتها النفطية مثل احتكار الشركات السبع المسماة بالشقيقات السبع فيما سبق.
2 – تقديم دراسات عن السوق والوضع العالمي، وكذلك إمكانيات وخصوصيات الدول الأعضاء وبالتالي اتخاذ القرارات بما يتلاءم مع الجميع.
3 – المحافظة على مستوى الأسعار الذي يتلاءم مع سعر السلع المصنعة إذ تكون الأسعار ملائمة للدول المنتجة وغير ظالمة للدول المستهلكة.
4 – تقدم النصح في استخدام العوائد المالية الفائضة في التنمية الاقتصادية للدول الأعضاء.
5 – تنظيم عملية الإنتاج بين الدول الأعضاء بدون تنافس غير شريف وبالتالي تجنب الاضطراب في سوق النفط.
6 – ان المنظمة تكون درعا يقي الأعضاء من سيطرة القرارات التي تكون غير ملائمة للدول الأعضاء وعلى سبيل المثال مقترح قانون (نوبك NOPED) الذي ارادت أمريكا تشريعه وهو يسمح لأمريكا بمعاقبة الدول المنتجة للنفط، أي انه مشروع يهدف إلى إزالة حصانة الدول المُصدّرة للنفط أوبك.
7 – تهدف المنظمة الى تمكين الدول الأعضاء من السيطرة على ثرواتها النفطية من احتكارات الشركات النفطية ومثال ذلك دورها المهم في تأميم النفط للدول الأعضاء.
8 – توحيد المواقف في أمور تخص الإنتاج والتسويق، إذ كانت روسيا لا تلتزم بتوصيات التخفيض، ومن اجل تحسين أوضاع سوق النفط ولكن ذلك تغير بعد الإعلان عن انضمام روسيا للمنظمة وانبثاق منظمة أوبك بلس.
وبالتالي فإن وجود هذه المنظمة مهم جدا، حتى ان أمريكا توجست خيفة منها، ولذلك اقترح ثعلب السياسة الامريكية هنري كيسنجر في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1973 على دولته والدول الصناعية، المستهلكة الرئيسة للنفط، تأسيس منظمة تتولى التخطيط لشؤون الطاقة تتصدى لمنظمة الدول المصدرة للنفط التي رأى أن أظافرها بدأت تبرز وأخذت تسيطر على السوق الدولية للنفط، ومن هنا يجب تقليم تلك الأظافر، فجرى عقد اجتماع واشنطن الشهير في شباط (فبراير) عام 1974 الذي ضم الدول الأوروبية واليابان. ولم يهدأ لكيسنجر بال حتى تم تأسيس المنظمة الدولية للطاقة IEA في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1974 للحد من هيمنة «اوبك»، وحددت برنامجاً واضحاً أطلقت عليه برنامج الطاقة الدولية International Energy Program، وخلاصة ذلك هو الانقضاض على اوبك وإضعافها بل وتدميرها إن أمكن ولم تكن تلك الأهداف سرية بل كانت معلنة للملأ.
الضغوط التي تمارسها الدول الكبرى على منظمة أوبك
بعد تأسيس منظمة أوبك ولعبها دورا فاعلا في أسواق النفط العالمية، إذ كانت تنتج في ذلك الوقت حوالي 26 % من البترول العالمي وارتفع حتى وصل الى حدود 48 % عام 2010 و 51% عام 2020 بعد ان كان كل الإنتاج تحت سيطرة الدول الكبرى عن طريق شركاتها النفطية، فهي ترى انها منظمة تنتمي لدول العالم الثالث المتخلفة، وكذلك تعتبرها منظمة انشئت في ظل الحرب الباردة، وبالتالي يجب ان يحجم دورها او تحل بالأساس.
ان الضغوط بالدرجة الأولى تمارس ضد المملكة العربية السعودية باعتبارها أكبر أعضاء منظمة أوبك من ناحية الإنتاج ومن ناحية الاحتياط، إذ برز دور السعودية وبشكل جلي بعد الثورة الإسلامية في إيران وبدء حرب الخليج الأولى، وذلك لانحسار دور دولتين مهمتين وهما الجمهورية الإسلامية في إيران والعراق، فإيران تعرضت لحصار وبالتالي اصبت الريادة في المنظمة للملكة العربية السعودية.
المنظمة كان لها الدور المهم في توازن الأسعار، فهي قد رفعت الإنتاج في عام 1980 – 1982 حين باعت السعودية النفط بأسعار اقل من خام الإشارة برنت مع رفع مستوياتها من الإنتاج النفطي، لكن في عام 1983 تدهورت أسعار النفط عالميا فأخذت السعودية المبادرة وخفضت انتاجها من 10 ملايين برميل يوميا الى 2 مليون يوميا للتصدير.

من أساليب الدول العظمى لخفض أسعار النفط:
1 – عن طريق منظمة الطاقة الدولية، بإخراج تقارير شهرية وسنوية واسبوعية توضح في تقاريرها خفض وقعها للنمو او خفض توقعها للطلب على الإنتاج، هذا يكفي كي يؤثر على سعر برميل النفط وبالتالي ينخفض.
2 – تقارير منظمة الطاقة الدولية حول الخزين الستراتيجي، فإن كان التقرير يوضح ان الخزين بلغ كميات كبيرة فان ذلك سيجعل أسعار النفط تتهاوى والعكس صحيح.
3 – سحب النفط الخام من الخزين الستراتيجي، كما فعل قبل أيام بايدن حينما امر بسحب 15 مليون برميل نفط إضافي من الاحتياطي الستراتيجي، لضخها في السوق الأميركية بهدف خفض أسعار المحروقات.
4 – التدخل السياسي المباشر بأصحاب القرار في منظمة الدول المصدرة للنفط أوبك بلس، وهذا الامر كان فاعلا جدا، لكن في الآونة الأخيرة لم يكن ذا تأثير كما كان في السابق، وخير مثال على ذلك ان المنتج الأكبر للنفط في أوبك وهي العربية السعودية رفضت طلب الولايات المتحدة الامريكية ومن رئيسها بايدن بزيادة انتاج النفط لخفض أسعاره عالميا، وكذلك طلب الرئيس الفرنسي أيضا من العربية السعودية لزيادة الإنتاج، ومع هذه الضغوط المعلنة وغيرها من الضغوط الخفية لكن السعودية ودول أوبك بلس لم ترضخ لتلك الضغوط السياسية ومضت في قرارها الجريء بتخفيض انتاج المنظمة بمقدار مليوني برميل من النفط ابتداء من شهر تشرين الثاني المقبل.
ان قرار منظمة أوبك كان بتأثير السعودية وروسيا، لكن التهجم الغربي كان موجهاً ضد السعودية فقط، إذ أكد الرئيس الأمريكي جو بايدن في حوار مع شبكة “سي إن إن” أنه “ستكون هناك عواقب” على السعودية بسبب قرارها في إطار تحالف “أوبك+” النفطي بسبب خفض حصص الإنتاج.
وجاءت تصريحات وزير الخارجية الامريكي بلينكن بعد ساعات من تقديم ثلاثة أعضاء في مجلس النواب الأمريكي مشروع قانون يقضي بإزالة الأصول العسكرية الأمريكية المهمة المتمركزة في السعودية والإمارات على خلفية دعمهما قرار “أوبك+”. قال زعيم الأغلبية في مجلس النواب الأمريكي، تشاك شومر، إنه ردا على السعودية وقرار “أوبك+” بتقليص إنتاجها اليومي من النفط، يجري البحث في جميع الأدوات التشريعية بما في ذلك مشروع قانون “نوبيك”.
تحليل الردود العنيفة ضد أوبك والسعودية
استعرضنا كيف كانت ردود الأفعال كبيرة وغاضبة جدا ضد منظمة أوبك بلس والسعودية، واعتقد ان السبب هو الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وان الروس يستخدمون ورقة النفط والغاز كعامل رئيس في حربهم للضغط على اوروبا التي يجري تجهيزها بالغاز عبر انابيب، إذ أن سعر المتر المكعب بحدود 6 دولارات بينما يكون بديل الغاز الروسي اما الغاز القطري المسال او الأمريكي المسال (LNG) والذي يكون بحدود 27 دولارا للمتر المكعب (هذه الأسعار قبل شهر) أي ان سعر بديل الغاز الروسي هو اربعة اضعاف، وهذا شكل ضغطا كبيرا على اقتصادات دول الاتحاد الأوربي.
بالرجوع الى أسعار النفط الان التي هي بحدود 90 دولارا وأسعار النفط في عام 2012 عندما وصل سعر برميل النفط أيضا فوق 100 دولار أيضا، لكن لم نشهد هذه الحملة الإعلامية ضد أوبك الان، اعتقد ان السبب هو ليس بسبب النقص بالإمداد العالمي للنفط او نقص النفط المعروض، بل ان السبب هو ان بديل النفط والغاز الروسيين بالنسبة لأوروبا مكلف، هذا هو السبب فقط، ومنظمة أوبك والسعودية تحملت اللوم بدل ذلك.
تأثير القرار على العراق
قبل أيام أصدرت وزارة المالية حسابات حول إيرادات العراق للأشهر الماضية، واحتلت الإيرادات النفطية لعدة أشهر 96 % من حجم الإيرادات العامة، وان إيرادات شهر أيلول سبتمبر الماضي فقط بلغت: مجموع كمية الصادرات من النفط الخام بلغ (98) مليونا (765) الفا و(153) برميلاً، بإيرادات بلغت (8.773) مليار دولار، إذ ان معدل الكميات اليومية بلغ (3) ملايين و(292) ألف برميل في اليوم، مؤكدة ان «معدل سعر البرميل الواحد بلغ أكثر من (88.83) دولار.
وبالتالي فإن موضوع سعر النفط يدخل في صلب حياة المواطن العراقي البسيط، لان كل الحياة معتمدة على النفط، فلا يوجد أي تنوع في مصادر الدخل للحكومة سوى النفط (وهذا ما يسمى بالمرض الهولندي) نتيجة السياسات الفاشلة المعتمدة في العراق بعد عام 2003، اننا نلاحظ ان حجم التخفيض في حصة العراق يشكل نسبة 3%، أي انها صغيرة مقابل المنفعة، ورغم ذلك نرى ان بعض السياسيين يصرحون بان القرار سيؤثر سلبا على العوائد المالية لان العراق خفض الإنتاج، لكن العكس من ذلك تماما، إذ ان القرار سيزيد من العوائد المالية النفطية، في حال ان الإنتاج الحالي للعراق قبل قرار التخفيض هو 4.651 مليون برميل يوميا ولنفرض ان الاستهلاك المحلي هو مليون وسيكون النفط المصدر هو 3.651 مليون وان السعر السابق أي سابق لهذا القرار للمنظمة هو 83 دولارا وبالتالي يصبح العائد المالي النفطي اليومي 303 ملايين دولار يوميا، اما بعد التخفيض وبسعر هذا اليوم أي (6/10/2022) الذي فيه سعر خام برنت 94 دولارا، وحجم النفط المصدر هو 3.431 مليون سيكون حجم العائد المالي من تصدير النفط هو 322 مليون دولار بالإضافة الى تقليل من التصدير النفط وهذا يعني زيادة في عمر المكمن النفطي ولو لشيء بسيط جدا.
وبالتالي فإن قرارات منظمة أوبك كانت في صالح أعضاء المنظمة في إبقاء سعر برميل النفط في مستوى مقبول وغير مجحف للدول المستهلكة للنفط أي انه بقي في حدود السعر العادل، وان الخروج من المنظمة لا يعد قرارا صائبا وان تصريح السيد رئيس الوزراء المكلف كان في باب الحرص على ادامة وزيادة الإيرادات النفطية بزيادة حصة العراق في المنظمة او اعفائه من التخفيض.
ولاسيما ان العراق يشهد ولادة قطب عالمي ثان بزعامة الصين وروسيا وان دول المنطقة اخذت القرارات الصحيحة في مجاراة هذا التغير الاقتصادي العالمي الكبير ومن تلك الدول السعودية التي ايدت التخفيض الذي هو في صالح روسيا وانضمت الى البنك الاسيوي وقدمت طلبا للانضمام الى مؤتمر شانغهاي، ومؤخراقدمت طلبا للانضمام الى دول (البريكي) التي تضم (الصين وروسيا والبرازيل وايران وافريقيا الجنوبية)، هذا التجمع الذي قال عنه بوتين انه سيصدر عملة خاصة بالبريكي.