نوري السعيد..ثعلب السياسة العراقية!

902

على الرغم من مرور اكثر من نصف قرن على وفاته ظلت شخصية نوري باشا السعيد (1888 – 1958)، رئيس الوزراء في المملكة العراقية 14 مرة بدءا من وزارة 1930 إلى وزارة 1958 محل جدل كبير وتناقض في الرؤى.

بينما يشيد باحثون في الشأن السياسي بحنكة نوري السعيد السياسية ودوره في بناء الدولة العراقية ومواجهته للاحتلال البريطاني، يراه آخرون انه ليس سوى عميل نفذ سياسة بريطانيا في المنطقة بمواجهة حركة التحرر العربي آنذاك التي رفع لواءها الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

ويجمع المقربون من نوري السعيد على انه شخصية سياسية براغماتية هدفها الأول جلب المصلحة الى العراق، لكنه دخل في تحالف مع بريطانيا جعله في مواجهة خصومها ماعرض حكومته الى اكثر من انقلاب اضطر بسببه إلى الهروب مرتين من العراق.
من هو السعيد؟

ولد نوري سعيد في بغداد وتخرج في الأكاديمية العسكرية التركية في إسطنبول، خدم في الجيش العثماني وساهم في الثورة العربية وانضم إلى الأمير فيصل في سوريا، وبعد فشل تأسيس مملكة الأمير فيصل في سوريا على يد الجيش الفرنسي، عاد إلى العراق وساهم في تأسيس المملكة العراقية والجيش العراقي.

هو نوري بن سـعيد بن صالح ابن الملا طه القره غولي، ولد ببغداد سنة 1888م، من عائلة من الطبقة الوسطى، حيث كان والده يعمل مدققاً في إحدى الدوائر في العهد العثماني وتعلم في مدارسها العسكرية.

ادواره السياسية

تخرج نوري السعيد في المدرسة الحربية في الآستانة (1906) ودخل مدرسة أركان الحرب فيها (1911) وحضر حرب البلقان (1912-1913) وشارك في اعتناق « الفكرة العربية» أيام ظهورها في العاصمة العثمانية، عسكري وسياسي من قادة العراق ومن أساطين السياسة العراقية والعربية وعرابها إبان الحكم الملكي، وزير ورئيس وزراء لفترات متعددة ساهم بتأسيس عصبة الأمم وهيئة الأمم المتحدة والجامعة العربية التي كان يطمح بترأُسِهَا، وكانت له ميول نحو مهادنة بريطانيا على الرغم من حسه الوطني العالي.

دوره في استقلال العراق

ينسب كثير من المقربين الى نوري سعيد دورا اساسيا في استقلال العراق عن الدولة العثمانية، اذ انتمى الى الجمعيات السرية المواجهة للاحتلال العثماني والمنادية باستقلال العراق، وقد شارك بها بالفعل عندما كان ضابطا في الثورة العربية الكبرى مع الشريف حسن بن علي.

خذ وطالب

كان نوري سعيد ميكافيلياً بالفطرة، يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة، فكان يجيد اختيار ساعته ويعرف كيف يقتنص الفرص الثمينة لتقوية أوراقه الرابحة له مبدأ خاص في الحكم عرف به وهو مبدأ “خذ وطالب.”.
وصف نوري السعيد بأنه رجل الغرب في العالم العربي، ولكن كانت لديه من المواقف القومية ما يعد في حسابات اليوم منتهى الراديكالية، وكان مقتنعا بأن لابد للعراق أن يعتمد على دولة كبرى ليردع أعداءه وهو أحد عرابي تأسيس الجامعة العربية حيث تنافس مع رئيس وزراء مصر الأسبق مصطفى النحاس على تزعم واستضافة الجامعة العربية في بغداد إلا أنها أقيمت في مصر.

انتحاره

عرف نوري السعيد بمقدم قوة عسكرية من المهاجمين بغرض القاء القبض عليه، فتنكر بزي امرأة ليتمكن من المرور من بين المهاجمين والحشود الملتفة حولهم، فاستقل سيارة انطلق بها إلى منطقة الكاظمية لاجئا إلى بيت صديقه الحاج محمود الاسترابادي التاجر الكبير وعميد عائلة الاسترابادي المعروفة، وكان فعلها سابقا بعد ثورة 1941 حيث لجأ نوري السعيد إلى بيت الحاج محمود الاسترابادي خلال حركة رشيد عالي الكيلاني التي ساعدته على الانتقال خارج بغداد إلى محافظة العمارة وانتقل من هناك إلى خارج العراق مع الوصي عبد الاله ليتدبرا إسقاط حكومة الثورة يومذاك.

وبعد جلاء الموقف أمام القادة الجدد ادركوا مخاوفهم بان هرب نوري السعيد المعروف بدهائه وحنكته سيسبب لهم مصاعب جمة وربما بأسلوبه واطلاعه على خبايا الأمور سيقنع الإنجليز بالاطاحة بالحكم الجمهوري الجديد.

في مساء 14 تموز اعلن أحد قادة الثورة عبد السلام عارف عن مكافأة مالية للقبض على السعيد، وبعد يوم من ذلك قام عبد الكريم قاسم زعيم الحركة ورئيس وزرائها بتكرار اعلان تلك المكافأة.

توجه السعيد على عجل إلى البتاويين فتعرف اليه أحد الشبان في منطقة الكاظمية وقد اختلفت الروايات حول مصرع الباشا، فإحدى الروايات تذكر بانه اصيب بعدد من الإطلاقات من قبل أحد عناصر القوة المهاجمة أدت إلى وفاته، وتذكر رواية أخرى وردت في مذكرات الدكتور صالح البصام أحد اصدقاء نوري السعيد الشخصيين، بانه عندما وجد نفسه محاصرا وان مصيره سيكون مشابها لمصير الوصي عبد الاله، اطلق على نفسه رصاصة الرحمة، كي لايعطي فرصة لخصومة بالإمساك به واهانته وتعذيبه..

دفن نوري السعيد في مقبرة الكرخ بعد أن جلبت جثته إلى قبو بوزارة الدفاع حيث كان يتواجد الزعيم عبد الكريم قاسم الذي بعد أن تأكد من وفاته أمر بأن ينقل جثمانه إلى المستشفى ثم الطب العدلي لاستكمال الإجراءات الأصولية لدفنه.
وفي عمل غير انساني أخرجت جثته وأشعلت فيها النار وسط الأهازيج والزغاريد والتصفيق بحياة الثورة وجمال عبد الناصر وصوره، ووضعت بقايا الجثة على جسر الوثبة تحت عجلات السيارات، لكن أحد المارة جمع ما تبقى من عظام الجمجمة ووضعها في كيس وحملها الى الكاظمية.