هل الأغنياء أكثـر كذباً وخداعاً ولصوصية؟

434

ويليام وان – ترجمة: جمال جمعة /

يبدو هذا السؤال عقلانياً حينما تهمين على الأخبار جرائم الأغنياء وأصحاب النفوذ. محاكمة بول مانافورت، التي تدخل الآن أسبوعها الثالث، كشفت تفاصيل جرائمه المزعومة: الاحتيال على البنوك بعشرات الملايين من الدولارات، التهرب من الضرائب بتخبئة مبالغ ضخمة في حسابات خارجية، واستخدام ثروات مكتسبة من أعمال غير مسجلة للحكومات الأجنبية لشراء 15.000 سترة من ريش النعام وجلود الثعابين.

قدّم ريك غيتس، نائب مانافورت، شهادته حول الثروة الصغيرة التي اختلسها وأنفقها على خياناته الزوجية المتنقّلة. كذلك في الأسبوع الماضي أدين النائب الجمهوري كريس كولينز بتهمة التداول الداخلي لأسهم شركة عامة. الفضائح أظهرت أن أعضاء طاقم ترامب ينتهكون قواعد الحكومة وأخلاقيات السفر بالطائرات الخاصة، 31.000 دولار لمجموعة موائد طعام، 43.000 دولار لمقصورات عازلة للصوت ورحلات عمل مريبة إلى الخارج.

“بالنسبة للباحثين الذين يدرسون طبيعة الثروة والسلطة فإنه أمر مثير للجزع لكنه ليس مفاجئاً، لأنه يتطابق تماماً مع نتائج البحث التي توصلنا إليها. إن تأثير السلطة هو للأسف أحد أكثر القوانين صدقية في السلوك البشري”، يقول داشر كيلتنر، أحد علماء النفس في جامعة كاليفورنيا في مدينة بيركيلي، والذي أمضى عقوداً في دراسة الثروة والسلطة والامتياز.

قبل ست سنوات نشر كيلتنر وبول بيف، الذي كان أحد طلاب الدراسات العليا في مختبره آنذاك، تجارب ابتكارية فعّالة أكدت العديد من أسوأ الافتراضات لدينا بشأن الأغنياء والطاقة المُفسِدة للثروة.

في إحدى التجارب، قام الباحثان بالتمركز في تقاطع مرور طرق مزدحم ذي إشارات توقف رباعية، وتتبعا موديل كل سيارة قام سائقها بتجاوز الآخرين بدلاً من انتظار دوره. كان الأشخاص الذين يقودون سيارات باهظة الثمن (مثل سيارات المرسيدس ذات الماركة الجديدة) أكثر احتمالاً لتجاهل قوانين أولوية المرور من أولئك الذين يقودون سيارات رخيصة، كسيارة هوندا قديمة مطعجة.

“هذا يخبرنا بأن ثمة شيء ما يتعلق بالثروة والامتياز يجعلك تشعر بأنك فوق القانون، ما يسمح لك بالتعامل مع الآخرين كما لو أنهم غير موجودين”، يقول كيلتنر.

بعد ذلك، كان لديهم باحث لعب دور أحد السابلة الذين يحاولون اجتياز معبر المشاة وتتبع نوعية السيارات التي توقفت كما يتطلب القانون، وتلك التي تجاوزته ضاربة بالقانون عرض الحائط. النتيجة كانت أشدّ وضوحاً.

كل سيارة من تلك السيارات الأرخص توقفت، فيما تجاهلت نصف السيارات الباهظة الثمن السابلة في معبر المشاة، العديد منهم فعل ذلك حتى بعد تلاقي العيون.

كانت ثمة تحذيرات عبر العصور بشأن الآثار المفسدة للثروة والسلطة. بوذا، على سبيل المثال، تخلى عن حياة الغنى ليكون أميراً للتنوير. السيد المسيح حذّر حوارييه من أن “مرور الجمل في ثقب الإبرة أيسر من دخول الغنيّ في ملكوت الله”. كما توصل مغني الراب “بيغي سمولز” إلى استنتاج مماثل قبيل وفاته المفاجئة: “لا مال، لا مشاكل”.

في العقود القليلة الماضية حاولت هيئة ناشئة من الباحثين السيكولوجيين التقاط وقياس التأثيرات الدقيقة للثروة على السلوك والأخلاق.

أظهر البحث أن الأغنياء يغشّون أكثر في ضرائبهم، يغشون أكثر في علاقاتهم العاطفية. أن الأغنياء والأفضل تعليماً هم الأكثر جنوحاً للسرقة من المتاجر، وهم الأكثر ميلاً للغش في ألعاب القمار، وغالباً ما يكونون أقل تعاطفاً مع الآخرين. في دراسات التبرع الخيري، غالباً ما تكون الأُسَر ذات الدخل المنخفض هي التي تتبرع بنِسَبٍ من دخلها أعلى مما تتبرع به الطبقة المتوسطة والعديد من الناس من ذوي الدخل المرتفع.

في واحدة من أشدّ النتائج إثارة للدهشة في بحوث 2015، اكتشف كيلتنر وبيف أن الأغنياء أكثر ميلاً لسرقة الحلوى (حرفياً) من الأطفال. في تلك التجربة طلبا في البداية من 129 شخصاً مقارنة مواردهم المالية مع الأشخاص الذين لديهم أموال أكثر أو أقل. بعدها قدّما إلى الخاضعين للاختبار وعاء مليئاً بالحلوى وأخبروهم بأن تلك الحلويات كانت مخصصة للأطفال في مختبر قريب، لكن يمكنهم أخذ بعضها إذا شاؤوا. أولئك الذين شعروا بأنهم أكثر ثراء بعد مقارنة دخلهم مع الأشخاص الأكثر فقراً، أخذوا إلى حد كبير حلوى أكثر لأنفسهم.

تشير النتائج المبنية على أبحاث مماثلة في السنوات الأخيرة إلى أن الثروة والسلطة تجرّد الناس من حيائهم، وتزيد من تقبّل المجازفة ومشاعر الاستحقاق والحصانة. وفي الوقت نفسه، تجعل السلطة من الناس أقل تعاطفاً وقدرة على رؤية وجهات نظر الآخرين.

“إن الثروة في الأساس هي آلية للقوة والسلطة، والسلطة لها تأثير محرِّر على الناس. إنها تزيل قيود المجتمع وتدفع الناس للعمل وفقاً لرغباتهم المهيمنة”، كما يقول آدم جالينسكي من كلية إدارة الأعمال الكولومبية، التي استكشفت تجاربها كيف أن السلطة غالباً ما تسيّر أفعال الناس. في بعض الحالات، قد تكون هذه الرغبات إيثاريّة أو مفيدة للمجتمع، وبالتالي فإن السلطة تقوّي من تلك الأهداف حيث يمكن أن تؤدي إلى بروز كرماء حقيقيين. لكن، في أغلب الأحيان، تؤدي السلطة إلى سلوكيات خدمة ذاتية مستهترة بالمخاوف المعتادة بشأن القوانين أو عواقب ذلك على الآخرين.

بسبب كون العديد من البحوث السيكولوجية عن الثروة والسلطة حديثة نسبياً، فإن العديد من النتائج ما زالت في طور الاختبار وتحتاج إلى توكيدها بالتكرار، كما يقول الباحثون. “لا يمكنني القول إن هذه المسائل قد تم البتّ فيها نهائياً. فثمة خلافات بشأن التأثير الدقيق للثروة والأخلاق ومدى حجم ذلك التأثير”، يقول مايكل كراوس، أخصائي علم النفس الاجتماعي في كلية “يال” للإدارة. لكن البحث لم يشهد أبداً مثل هذا الاهتمام المزدهر والزخم مع تنامي التفاوت الطبقي في أمريكا ووجود مليونير كبير، ولد في حضن الغنى، على رأس السلطة في البيت الأبيض.

“هنالك العديد من الأسباب التي توجب علينا الاهتمام بأخلاق الأثرياء”، يقول كراوس. “حتى لو اكتشف الباحثون بأنهم لم يكونوا أكثر لا أخلاقية من أي شخص آخر، فإن تأثيرهم على العالم أعظم من ذلك بكثير. إذا قام شخص مثلي بسرقة شيء ما، فإنه يؤثر فقط على حفنة من الناس. لكن إذا كان شخص ما مثل مانافورت يسرق ويكذب ويغش، فإنه يؤثر على عدد كبير من الناس. ثمة حكومات أجنبية وبنوك متورطة. حينها سيبدأ المرء بالولوج إلى منطقة يمكن أن تؤثر على البلد بأكمله وعلى مسار الديمقراطية فيه”.

The Washington Post