هل تسامحني أمي؟

256

رجاء خضير /

أن تكبر بالعمر هو شيء إجباري, أما أن تكبر بالعقل فهو شيء اختياري…

(ف..) فتى ينتظر المحاكمة ولا يعرف ما هو مصيره ومصير والدته وشقيقتيه اللاتي كان المعيل الوحيد لهن، لكن الذي يستحق المحاكمة والعقوبة القاسية قبله هو والده و(تاجر) المخدرات الذي استغل حاجته. يقول (ف.. ١٨ سنة) بنبرة باكية إن والده هاجر إلى خارج العراق وتركهم لمصيرهم ولم يسأل عنهم أبداً: “كنت في المرحلة الابتدائية، لم توافق والدتي على قراري بترك الدراسة، إنما بدأت تخدم في البيوت ولم تقصر في تربيتي وشقيقتيّ الصغيرتين. أنهيت المرحلتين الابتدائية والمتوسطة بتفوق محاولاً أن أسعدها بتفوقي رغم حزني عليها، فقد تدهورت صحتها وأتعبتها الخدمة في البيوت”.
مع تخرجه في المتوسطة انهارت صحة والدته كثيراً، ووافقت مرغمة على أن يعمل بشرط إكمال دراسته وأن يبحث عن عمل، الذي وجده عند صاحب (سوبر ماركت) قريب من منطقة سكنه. أصبح يعمل لساعات طوال لكنه لم يتمكن من الالتزام بالعمل والدراسة معاً، لذا وافقت والدته، على مضض، أن يترك الدراسة بعد أن تدهورت صحتها كثيراً، ليعمل طوال اليوم. كان صاحب الأسواق يثق به ويقدر إخلاصه وتفانيه في العمل ورفع له راتبه. بدأت حالة والدته تتحسن وأصبحت العائلة تشعر باستقرار نسبي، لكن ذلك لم يدم كثيراً، فبعد أشهر معدودة رافقه صاحب الأسواق إلى بيتهم دونما موعد وطلب أن يجلس مع والدته لوحدهما. وبعد أن غادر، عرف منها أنه قرر أن يغلق أسواقه ويهاجر، ومنح الوالدة ظرفاً فيه مبلغ يكفيهم لمدة شهرين استمر خلالهما يبحث عن عمل لم يجده.. وأقنعه صديق له أن يعمل مثله.
يكمل (ف..) قصته:
أصبحت مثل صديقي، أحمل بيدي منظفاً للزجاج وممسحة وأركض خلف السيارات في الشارع، وكان بعض أصحاب المركبات يمنحونني مبالغ صغيرة لكن آخرين ينهرونني، وأحياناً بكلمات نابية جداً. ورغم التعب، كنت بالكاد أجمع ما يكفينا، وأصبحت لا أنظر في عيني والدتي كي لا يكسرني حزنها، وكنت حين أنام أعاتب والدي كثيراً وأتمنى أن يسمعني ويعود إلينا ويعيننا لكي أرجع إلى دراستي التي كنت أحنُّ إليها، ولاسيما، كما قلت، كنت متفوقاً فيها.
في ظهيرة يوم متعب، بعد أن مسح الزجاج الأمامي لسيارة فارهة، ناوله السائق قطعة نقدية واحدة، عرف منه أنها مئة دولار! شكره (ف..) وأخبره أن هذا المبلغ سيعينه كثيراً في علاج والدته.. عاد إلى البيت.
حدّث والدته عن الرجل (الطيب) الذي (عطف) عليه، لكن والدته حذرته منه. بعد أيام، كان الرجل الذي عرّف نفسه بـ (م..) أمامه في الشارع وطلب منه الصعود إلى سيارته، تردد (ف..) في البداية، لكنه اطمأن حين أكد له أنه يريد أن يرى بيته ووالدته لأنه قرر أن يعينه، وهناك سيشرح له العمل المطلوب منه. حين وصلا إلى البيت، استأذن (ف..) من (م..) ليخبر والدته بزيارته. رحبت أمه بهما وتركتهما لوحدهما. وكان عمله (سهلاً)، كما فهمه، يتلخص في نقل (بضاعة) من مكان إلى آخر، وأحياناً من بغداد إلى محافظة أخرى أو بالعكس، وستكون أجوره أضعاف المئة دولار في كل مرة.
يضيف (ف..):
ما إن غادر (م..) حدثت والدتي عن عملي الجديد، لكنها فاجأتني برفضها وأكدت أنها لم ترتح نفسياً لمنظر الرجل، وحين سألتني عن ماهية البضاعة التي سأنقلها أبلغتها بعدم معرفتي وأنني نسيت أن أسأله فقد أبهرتني الأجور العالية التي سأتقاضاها، وبدأت تبكي، فوعدتها بأنني سأعمل معه لفترة قصيرة فقط، لم توافق لكنها سكتت وتذكرت والدي الذي تركنا لهذا المصير السيئ.
وهكذا بدأ العمل معه ضمن حدود مدينته، ورغم أجوره التي بدأت تساعده في تحسين وضعهم في البيت، وكذلك في تحسين صحة والدته، إلا أنها استمرت تطالبه بترك العمل مع (م..)، إلا أنه كان يصبِّرها مخففاً عنها خوفها عليه، ويشير إلى كرم صديقه وتصرفاته الأبوية معه، وأنها لا تمتلك سبباً لإقناعه بترك العمل سوى إحساسها بسوء نيته، وحين أخبرها بعد أسابيع من العمل معه بأنه تشاجر مع شخص اتصل به بسبب تأخر (البضاعة)، قالت له إنه لا يعرف اسمه الكامل ولا عنوان سكنه أو مكتبه وإن حدث مالا تحمد عقباه فإنه سيتورط لوحده.
يكمل:
حين ذهبت إلى النوم يومئذ، فكرت كثيراً بما حذرتني منه والدتي، ولأول مرة بدأت الشكوك تساورني، فأنا فعلاً لا أعرف عنه سوى أنه (م..)، لذا قررت أن أعتذر عن العمل معه متذرعاً بمرض والدتي.
في اليوم التالي، بلّغه بقراره، وفجأة وجد أمامه شخصاً لا يعرفه، الذي وصفه بناكر الجميل وبدأ يهدده ، وكلّفه بالذهاب إلى محافظة (….) وإن رفض فإنه سينتقم من والدته وشقيقتيه! وافق (ف..) على إنجاز (المهمة) واستأذن والدته بالسفر إلى المحافظة القريبة لـجلب (البضاعة) ووعدها بأنها ستكون (مهمته) الأخيرة.
سافر (ف..) إلى تلك المحافظة وتوجه إلى العنوان الذي حدده له (م..)، ووجد شاباً يقف حوله عدد من الرجال، تلعثم وخاف منهم، وتسلم حقيبتين من الشاب الذي أبلغه بأن (م..) ينتظره في مطعم (…..) وعليه أن يسلمه الأمانة. وفعلاً وصل إلى المطعم الواقع على الطريق العام نحو بغداد، وكان (م..) بانتظاره، وكان يبدو قلقاً يتلفت يميناً ويساراً. وبانتظار تقديم وجبة الغداء، تذرع (م..) بالذهاب إلى الحمام وأخذ معه إحدى الحقيبتين، لكنه تأخر في العودة، نهض ليبحث عنه فرأى أفراداً من الشرطة عند باب المطعم، وخلال دقائق دخل ضابط شرطة وأمر الجميع بعدم مغادرة المطعم، وبدأوا بالتفتيش، ارتعب (ف..) والضابط يسأله عما في الحقيبة، وأجابه بأنه لا يعرف ماذا فيها، كسر الضابط قفل الحقيبة ووضع المخدرات أمام (ف..) الذي أقسم بأنه لم يكن يعرف ما في الحقيبة. وتم اقتياده إلى مركز الشرطة، واستمر يقسم أنه لم يكن يعرف أن (م..) يتاجر بالمخدرات. ولكي يصدّقه ضابط التحقيق كان عليه أن يدله على عنوانه وأن يعطيه اسمه الكامل، لكنه فشل، وقال له الضابط إنه إن لم يكن كاذباً فإن (م..) عرف كيف يستغل حاجته، وحين شعر بالخطر، هرب بإحدى الحقيبتين وترك الأخرى لتثبت التهمة ضده.
يعترف (ف..) بأن لهفته وراء المال لعلاج والدته والصرف على نفسه وشقيقتيه جعلته لا ينتبه إلى تحذيرات والدته وأن لا يصدق شكوكها. وينهي قصته قائلاً:
لا أعلم إن كان سيتم العثور على (م..)، ولا كيف سيكون الحكم الذي سأواجهه، ولا أعرف ماذا سيكون مصير والدتي وشقيقتيّ، ولا أدري إن كان الله سبحانه سيسامح والدي على ما ارتكبه ضدنا.. لكنني أسأله أن يغفر لي وأن تسامحني أمي.