هنا خان الخليلي وهارون الرشيد وعجيبة العالم الثامنة!

304

ارشيف واعداد عامر بدر حسون/

هنا العراق الشقيق، من أكثر البلاد العربية احتفاظاً بطابعه الشرقي العريق وأقلها انطباعاً بمظاهر المدنية الغربية. فسحر الشرق وروعة الماضي يطبعان كل شيء فيه ويطغيان على مظاهر الحاضر، فقد ترك العراقيون قشور المدنية الغربية واستفادوا من لبّها بعد أن أحاطوه بهالة من جلال الماضي وعظمته..

إن نظره إلى مدينة الموصل، وهي ثاني المدن العراقية، لتوضح لنا هذا الاتجاه وترينا هذا الامتزاج العجيب بين القديم والحديث، فلنتجول جولة سريعة في أنحاء تلك المدينة التاريخية، ولنبدأ بالمحطة ولنلق نظرة على فندقها الفخم، وهو مبني على أحدث طراز، يأخذ بعين الغريب ويجعله يتصور أن أبنية الموصل كلها من هذا النوع. ولكن تعال بنا لنركب إحدى عربات الحنطور، وهي من أهم وسائل المواصلات في الموصل، لنخترق بها شوارع المدينة. ها نحن الآن في شارع نينوى، الشارع الرئيس في المدينة، وقد شيّده الأتراك أثناء الاحتلال التركي، ترى شارعاً طويلاً على جانبيه محال تجارية ودكاكين لكل منها طابع خاص، وكأنها تعيش في بلاد مختلفة، فهذه مناظر تذكرك بخان الخليلي وجوّه وأحلامه، وتلك محال تكاد تكون حديثة في كل شيء بجانب دكان لا يزال يعيش في العصر العباسي، عصر هارون الرشيد.. وهذا برج عال تطلّ من أعلاه ساعة فخمة ظلت تطل على سكان المدينة وتملأ الجو بدقّاتها منذ أكثر من ثمانين عاماً.

ثم نصل إلى جسر الملك غازي على نهر دجلة حيث نجد أمامنا بناءً غريباً نعجب كل العجب لوجوده في تلك البقعة. إنه قصر كبير لا هو على الطراز الشرقي القديم ولا هو على طرازنا الحديث.. إنه على الطراز الياباني، وقد شيّد في بقعة منعزلة وحوله حديقة لطيفة، بناه طبيب أرمني، ولست أدري السر في اختياره هذا الطراز بالذات..

ثم لنتجول بالعربة في شمال المدينة، ولكننا سنضطر للوقوف.. إن العربة لا تستطيع المرور، فعلينا أن ننزل لأن الشوارع ضيقة لا تسمح بمرور العربات فيها.. سنمشي على أقدامنا فيطالعنا الجامع الكبير، أو جامع النوري نسبة الى نور الدين أتابكي من الدولة الأتابكية، ولعل أعجب شيء فيه هي تلك المنارة المائلة ويسميها أهل الموصل منارة الحدباء، لأنها مائلة عن الاستقامة العمودية، وفي كل وجه من وجوهها نقوش هندسية بديعة الشكل. ويقول الموصليون إنه إذا كانت في العالم سبع عجائب، فإن منارة الجامع الكبير بالموصل هي ثامن عجائب العالم لدقة بنائها مع ميلها!

لنترك الجامع الكبير بمنارته التاريخية ولنذهب الى الجهة الغربية من المدينة، وهناك نجد مرقد قضيب البان، وهو من الأماكن الأثرية المشهورة.
دعونا الآن من هذا القسم القديم، ولنذهب الى حي الدواسة..حيث سنجد أمامنا عالماً جديداً لا تقع العين فيه إلا على كل حديث، فهناك فيللات على جوانب الشوارع المعبدة النظيفة تنقلك الى جاردن سيتي او المعادي ثم ترى أمامك بناية حديثة أنشئت على الطراز العربي الجميل هي بناية المحاكم، وقد افتتحها الوصي على عرش العراق في الصيف الماضي في احتفال كبير..