وثيقة نادرة للجواهري..عندما يكتب الشاعر بيانه الانتخابي!

421

تقدم الشبكة لقرائها هذه الوثيقة النادرة عن الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري.. وهي نص بيانه الانتخابي الذي نشره على كامل الصفحة الأولى من جريدته (الرأي العام) أثناء اشتراكه في الانتخابات البرلمانية عام 1947 وهو بيان تتداخل فيه الدعاية الانتخابية بالشعر ويتداخل فيها أيضا عنفوان الشاعر ورجاء المرشح لجمهوره في أن ينتخبوه!

الوثيقة نشرت في 5-1-1947 في صحيفة الرأي العام نعيد نشرها هنا كوثيقة وأيضا كبيان انتخابي لمن يود ترشيح نفسه في الانتخابات القادمة

يا جمهور المنطقة الثامنة ببغداد

أيها العمال الذين رافقتهم سنين عديدة في بكورهم قبل الشمس الى سوح أعمالهم الشاقة الشريفة وفي اوبتهم وقت الأصيل الى أعشاشهم من صرائف وأحجار وأكواخ يا من يرون في كل غداة كهلا يغذ السير مشيا على الأقدام شقا للأتربة والغبار في الصيف وخوضا للطين والأوحال في الشتاء كان مثلهم تماما منفلتا من عشه وكوخه الى ساحة عمله ونضاله مثلهم تماما فإذا كان فوق بعضهم في مظاهر لا يد له في التخلي عنها لأنها من صلب المجتمع ومقتضياته فقد كان دون بعضهم حتى في هذه المظاهر يا أيها المتكسبون الذين كانوا ولا يزالون يستغربون أن يتعامل معهم –بالمفرد- في كل شؤون بيته ومؤونته رجل لا يتناسب ذلك منه مع ما ينبغي أن يكون عليه من كان على شاكلته فهم يعرفون عنه أنه صحفي صاحب جريدة يومية سياسية شهيرة وأنه سياسي يخوض ميدان السياسة عشرين عاما ويزيد وهم يسمعون ويعرفون أيضا النظائر والأشباه بين ظهرانهم وفي مناطق أخرى من العاصمة وما هم عليه من حال آخر غير هذا الحال فيستغرب بعضهم ويكتشف البعض الآخر العوامل والبواعث في هذه الفوارق. انكم تعرفون أكثر من أي طبقة أخرى، لماذا تسد أبواب البرلمان في وجه الشاعر الشاعر والصحفي الملتهب والسياسي المخلص طوال جيل كامل هو كل عمر عهد وطني رافقه الجواهري مستعرضا مواكبه ورواياته وجحافله ومستشرفا اسحاره ودياجره نافخا فيه من روحه ومضمدا من جروحه وباكيا على ضحاياه، ولاعنا المستعمرين والمدجلين والمستغلين والمتحكمين وكل من باع ضميره وكرامته وعلمه وأدبه على حساب هذا البلد الأمين.انكم تعرفون أكثر من طبقة أخرى أن أبواب البرلمان ومفاتيحها بيد السلطات الحكومية كانت تسد في وجهي في حين تفتح على مصاريعها لمن تعرفون ومن لا تعرفون ومن يساوي شيئاً ومن لا يساوي شيئاً. لأنني أحاسب هذه السلطات حسابا عسيرا لا مواربة فيه ولا خداع ولأنني لا استثني وأنا احاسب زيدا اخاه عبيدا من أمه وأبيه في موبقاته وجرائره، فكان لزاماً أن يكون زيد وعبيد المتخالفان في الخصومة متحالفين على ابعاد الفاهمين حقيقة امرهما من حضيرة برلمان يعيشون فيه من لا خوف عليهم منه. ترفعت أن أكون بوقا ومزمارا للنافخين من الحاكمين ولأني: ترفعت أن استغل باسم الدين حصة موفورة لم يتهيأ بعضها للمستغلين بيتا تاريخيا يجري عروقه في الملة الحنيفة وكتابا هو (الجواهر) ولا يصح أن يكون اماما ومجتهدا من لم يتتلمذ عليه وقببا زرة شاهقة يرقد تحتها شيوخ علم وفقه وأدب من طوائف عديدة تلتف علي اوشاجها لقد ترفعت تبعا لذلك أن أكون طائفياً في أمة اعد مجرما فيها وخائناً لها، من يريدها للتفرقة في الأديان فكيف اذ تراد للمذاهب
ولأنني:

حرب على مستعمر وربيبه

ومهادن مستعمرا ومجاري

ولأن حربي للمستعمر وربيبه ومهادنه ومجاريه حرب متواصلة الحلقات مترابطة الأجزاء فهي مستعرة دائما لأنني استمد حولي وقوتي فيها من شعور مرهف وبيئة ناقمة وعقيدة راسخة يا أهل الكرخ الأطايب ويا أهل المنطقة الثامنة خاصة يامن تنقطع نياط قلبي ألماً وحسرة في كل صباح وفي كل مساء وأنا أقطع الطريق الممتد من محطة التراموي حتى الجعيفر على أن يكونوا فيما هم فيه من حال. خرائب ممتدة على الجانب الغربي الجميل، ودرابين لا ترى الشمس، وأزقة يغمرها الوحل في الشتاء والتراب والغبار في الصيف وصبايا كالورود اليانعة تتمرغ في التراب، وجو يسبح فيه الذباب. يا شباب الكرخ الواعين ويا طلابه النابهين يا عماد الكادحين ويا متكسبيه الطيبين ويا ابنائه الميامين من كل شمردل وضاح لكم ندائي.

يا أهل المنطقة الثامنة لو كان هناك ما يجيز أن يخرج نائباً بأكثرية ما يحوزه من آراء في العراق كله لكنت النائب الأول، ولكني وأنا أسلخ من عمري أكثره في بغداد وفيها تفتح عيناي على آفاق واسعة وبها أذوق الحلو والمر. والنجاح والفشل والجدة والحرمان. والسجن والحرية والنكل والولادة.

ولكني وقد تلمست من بغداد دون غيرها آلام الجماهير المنصبة فيها والمحمولة اليها.

وفي الكرخ وعند أهل الكرخ من بغداد وجدت الصورة الصادقة والمركزة لهذه الآلام في عاصمة كاذبة في مظاهرها وفي المنطقة الثامنة وجدت كل الألوان والظلال لهذه الصورة اللاصقة بنفسي ولكني وأنا على هذا الحال وهذه الصورة في بغداد أولاً، والكرخ ثانياً والمنطقة الثامنة منه اخيراً رحت (امون) عليها دون العراق كله.

هذا ما علي ولم يبق إلا ما عليها

محمد مهدي الجواهري