وهنّ يلقين بخِرَقه على الأســــــــــــــــــــلاك الشائكة.. الموصليّات يعتقن انفســــــهن من عبودية داعش

641

في القرى الموصليّة التي حرّرها أبطال الجيش؛ منظر الأسلاك الشائكة وقد امتلأتْ بقطع قماشٍ كانتْ براقع نسوةٍ موصليّاتٍ وجدن حريتهنّ أخيراً فألقين بشعار عبوديتهنّ على هذه الأسلاك الشائكة.

كانتْ براقعهنّ شعارَ عبودية لا لشيء إلا لأنهنّ كنّ مضطرّات قسراً إلى ارتدائها، فلو لم يجبرهنّ أحد على ذلك لكان البرقعُ، شأنه شأن ارتداء الحجاب أو عدم ارتدائه، شأناً شخصياً وخياراً فردياً لا يحقّ لأحد الاعتراض عليه، لكنّ هذا البرقع أصبح أداة لممارسة قوةٍ غشوم سلطتها على أجساد الناس كرهاً.

والسلطة ـ أية سلطة ـ تعلن عن إفلاسها وبدء اندثارها، تماماً في الوقت الذي لا يكون هناك موضع لممارسة سلطتها سوى الجسد، قتلاً وتعذيباً وسجناً واختطافاً في الأنظمة الديكتاتورية، أو جعل الناس “قطيعاً بشريّاً” من خلال توحيد الأزياء والسمات الجسدية كما في الأنظمة العقائدية الارتكاسيّة.
هذه سلطات لم تستطيع أن تمارس تأثيرها على قلوب وعقول الناس، فلجأتْ إلى القوة في حدّها الأدنى، إلى القوى العضليّة، لتجعل من الأجساد مواضيع لسطوتها. ولسان حالها: مادمنا لم نمتلك القلوب والعقول فلنمتلكْ الأجساد إذن!

كلّ أنظمة الحكم الفاشلة، حين ييأس الناسُ من خيرها، وتيأس هي من قدرتها على أن تقدّم ما ينفع الناس، يلجأها عجزها هذا إلى وسم جسد الإنسان بميسمها الخاصّ، شأنهم في ذلك شأن مالكي الرقّ في العصور القديمة حين يَسِمون “عبيدهم” بعلامةٍ يريدونها أن تبقى شاهداً على عائدة هذه الأجساد لهم.

غير أن الحريّة التي هي عنوان رحمانيّة الله وأنفس ما امتلكه البشر منذ خلقوا؛ أقوى من أن تموت على يد مجانين يظنون أنهم حين وسموا أجساد الناس بعلاماتهم فقد امتلكوا أرواحهم.

صورة النسوة الموصليات وهنّ يلقين بخِرَق عبوديتهنّ على الأسلاك الشائكة في طريقهنّ إلى النور صحبة أخوانهنّ المحررين، إيجاز بليغ لنهاية كلّ نظامٍ طاغٍ لم يدرك أن الإنسان ليس هذا الجسد الذي يمكن أن تمتلكه بـ”إمارة وضع اليد عليه”. “الإنسان بناء الله” كما في الحديث القدسيّ المضيء، وإذا كان مقدراً لقوّة أو سلطة ما أن تستمرّ وتبقى، فإنما تبقى بمقدار نفعها للناس، كما في الآية الكريمة “فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض”.

واهمون أولئك الذين يريدون أن تتأبّد سلطتهم من دون أن يقدّموا للناس ما ينفعهم، أولئك الذين فشلوا في خدمة الناس لن ينفعهم أنهم استولوا ـ لبعض الوقت ـ على أجسادهم.

هنا أو هناك، مَن فشل في أن يقدّم نفعاً لشعبه فليعلمْ انه سينتهي جُفاءً كالزبد غير النافع. ولعلّ هذه الصورة البليغة؛ صورة البراقع الملقاة على الأسلاك الشائكة ستكون تذكرة لكلّ متسلّط فشل في خدمة جمهوره فلجأ إلى تقييد حريته ليثبت سلطته.

الحريّة مستقبل الإنسان ولن يمكث على هذه الأرض إلا ما ينفع الناس!