يمينيٌّ بتناول الطعام ويساريٌّ بالكتابة

334

عبد الزهرة زكي/

حاول والدي أحياناً ثنيي عن مواصلة الكتابة بأصابع كفي اليسرى ولم ينجح، لكنه نجح في تعويدي على تناول الطعام باستخدام يدي اليمنى.
أجلس جنبه دائماً في جميع وجبات الطعام التي تجمع العائلة، وفي كل مرة يظل يعبّر عن تذمر من استخدامي المبكّر ليدي اليسرى أثناء الأكل. كان يحرجني بتذمره، ولكن ماعساي أن أفعل؟.
حاول اقناعي بترك هذه (العادة) وبضرورة أن أكون أيمن في كل شيء.
تتضاعف المشكلة حين تقترن الشجاعة بمن هو (أيمن)، هكذا يمضي في الأمثلة التي يوردها من أجل إقناعي بالعدول عن اليسار.
لم أستطع ذلك، ولم أسع من أجله أساساً. أبدو مرتاحاً تماماً باستخدامي يدي اليسرى في جميع ما أعمله. لكني أمام إصراره حاولت إقناعه بالعمل على استخدام يديَّ الاثنتين في الأكل، فعبّر عن استهجانه لهذا الحل ووجده أسوأ مما أنا فيه من (مشكلة) جراء استخدام يسراي في تناولي طعامي.
انتهى الأمر بعد أيام إلى القسر؛ ففي إحدى الوجبات، وقبل أن أمد يدي للطعام، طلب مني والدي أن أجلس عن يمينه بخلاف المرات السابقة التي كنت فيها دائماً عن يساره كلما كنا أمام وجبة طعام، وحتى إذا ما جلست إلى يمينه أخذ بكفي اليسرى فوضعها تحت فخذه، وطلب مني أن آكل: ” لن تأكل بعد اليوم بيدك اليسرى، لا خيار أمامك، ليس عندك سوى يمناك؛ براحتك، تأكل أو لا تأكل”. وبدأ هو بتناول الطعام.
كان جلوسي المعتاد يسارَ والدي هو مما يسهّل حركة كل من يده اليمنى ويدي اليسرى في تناولنا الطعام من دون أن يحتكا ببعضهما. لقد كان هذا واحداً من تبريرات (واقعية) كان دائماً يسوقها والدي لتأكيد فكرته عن ضرورة استخدام اليمنى بدلاً من اليسرى، وكان يختلط في تلك التبريرات ما هو ديني بالتربوي، بالاجتماعي، بالخرافي. كان يسألني مثلاً:” ماذا لو كنتَ مدعواً خارج بيتك، وجلست جنب شخص يستخدام يمناه، وأنت مضطر لاستخدام يسراك، وكان المكان ضيقاً”؟، ثم يبادر هو فيجيب:” حتما لن ترتاحا بالجلوس ولا بتناول طعامكما”.. ولا أدري لماذا هذا الافتراض الذي يجمع من خلاله أسوأ الاحتمالات كلها في مكان واحد ولحظة واحدة. إنه افتراض سمعته كثيراً منه ولم أجد ما أرد به عليه.
الطعام أمامي، لم أجد بدّاً من استخدام اليد الوحيدة التي ظلت متاحة لي. يسراي ظلت تحت فخذ والدي وليس لي سوى يميني. الكل بدأ بتناول الطعام فيما كانت عيونهم جميعاً، باستثناء والدي، تتجه نحوي، ووحدها والدتي التي ظلت تطيل التحديق صامتةً بوالدي أكثر مما تنظر إليَّ. عبثاً حاولت والدتي (ولم تتناول طعامها بعد) تحريرَ يدي واقناع والدي بفرصةٍ أخرى أكون فيها مستعداً لقبول الفكرة طواعيةً ولتجريب الأكل باليمنى. لم يعر كلامها ومقترحها أدنى اهتمام، لم يعلق بشيء. لاحظت أنه يأكل ولكن على مضض.. كان ينتظر أن أستخدم، مكرهاً أو راغباً، اليد اليمنى، ولو بعد حين.. وفعلاً مددتها، بعد تردد واحتجاج صامت، نحو الطعام،؛ كان امتناع والدتي عن الأكل وانشغالها بي دافعاً مباشراً لقبولي تجربة الأكل باليمين.
أكلت من دون أدنى شعور بلذة الطعام لجائع. وحين اكتفيت لم أشعر بالشبع، ولم يبق ببالي أي أثر للطعام. مع هذا، وبعد عدد من المرات التي تكررت فيها تجربة اليد تحت الفخذ، اعتدت على الأكل بلا يد يسرى، لقد أوقفها القسر التربوي الذي تصورته نجاحاً يدعو للاعتداد في تعلم أمر صعب. لقد بتّ أبادر بمدّ يميني من دونما حاجة للتجربة المؤلمة. هكذا يكون الاذعان مدعاة للفخر والتباهي. لم أعد بعد ذلك الاذعان ليسراي مطلقاً؛ تكيفتُ، وتكيفتْ يدي اليمنى مع ممارسة وظيفة تقوم بها بعد خمول خمس سنوات بقيتْ خلالها تاركة لليد اليسرى كل شيء. ولكن، في سنوات تالية، وحين استخدمت للمرة الأولى في حياتي الشوكة والسكين والملعقة لم أواجه أية مشكلة في استخدام الشوكة بيسراي. لقد استعادت اليد وظيفتها القديمة مباشرةً بعدما ظلت تلك الوظيفة التي منعت عليها مبرمجةً، كما يبدو، في مكان ما من دماغ ذلك الطفل الذي كبر وشبّ يمينياً في تناول الطعام ويسارياً في كل ما عداه.
لم يستخدم والدي الضغط نفسه ضد استخدامي يسراي في الكتابة. كان يفضّل أن أتحوّل نحو اليمنى لكنْ كثيراً ما سمعت منه ما يردّ به على نفسه حين يؤكد أن مستخدمي اليد اليسرى غالباً ما تكون خطوطهم في الكتابة أجود من أقرانهم مستخدمي اليمنى. وفعلاً ما إن تعلمت على يديه القراءة والكتابة قبل أن أجلس على مقاعد الدراسة بعام حتى تأكد له ولي أن خطي جيد. سرعة تعلمي كتابة الحروف والكلمات وانتظام كتابتي وجمال الخط، بالنسبة لعمري، دفع بوالدي مرة ليقول لي: خطك أجمل من خطي، ستكون خطاطاً. لم أكن أتوقع أن هناك من يكتب ويرسم الحروف والكلمات أجمل مما يفعل والدي؛ واقعاً لم أكن رأيت كتابة لسواه باستثناء كتابة عمّيَّ الاثنين، وكانت كتابة والدي هي الأجمل مقارنة بهما، لكني لا أعرف معنى كلمة خطاط التي سمعتها من والدي.
في طفولتي في البصرة أُرغمت في المدرسة مرة على أخذ جرعة من لقاح ضد الكوليرا؛ كان المرض منتشراً تلك السنة في العراق، وهي المرة الأولى التي أسمع بها بهذا الوباء وأتناول لقاحه عبر حقنة في العضد. كنت أكثر ذكاءً من المضمد الذي حقن اللقاح؛ فقد نبهته على أني أعسر ويجب أن آخذ اللقاح بعضدي اليمنى، لم يعر بالاً لطلبي وأصرّ على أن اللقاح لا يصح إلا بالعضد اليسرى. حقن اللقاح بانزعاج وانفعال؛ بعدها بقيت لعشرة أيام لم استطع خلالها الكتابة ناهيك عن الآلام والورم الذي تسبب به التهاب حاد إثر اللقاح. حاولت الكتابة باليمنى فكانت رديئة جداً. لم أشأ التنازل عن جمال خطي فبقيت ممتنعاً عن الكتابة طوال الأيام العشرة، وكان ورم يسراي شفيعي في الامتناع.
لقد صار جمال الكتابة جزءاً من شخصيتي.
((جزء من مقال أوسع لم ينشر، ضمن مخطوط كتاب ما زال قيد الكتابة))