يوم غنى عبد الوهاب في حمص أوائل القرن الماضي

206

رفيق فاخوري/

من أحب الذكريات الي، ذكرى تلك الليلة التي سمعت فيها أول مرة على المسرح غناء الأستاذ محمد عبد الوهاب موسيقار هذا الجيل.
كان ذلك في تموز عام 1930 أي في ذلك العهد الذهبي، عهد المسرح والحاكي يوم لم يكن بلاء المذياع قد سرى الى الأذواق والأسماع فافسدها.
وشاع في حمص أن عبد الوهاب سيغني في تيالرو (الروضة)، فطار الناس الى بائعي البطاقات يبحثون عنهم و(يلاحقونهم) ملاحقة الغرماء، ولما مكنهم الله منهم واستولوا على بطاقات الدخول ربط كل على بطاقته كما يربط الحريص على سهم مالي انتقل الى ملكيته، وكنت أحد اولئك السعداء الذين كتب لهم ضمان الدخول ومنوا انفسهم بليلة من ليالي العمر قبل موعد الحفلة بساعات، ولا تسألني كيف تمكنت ايها التلميذ الأعزل من الحصول على مائة القرش ثمن البطاقة؟ وكيف اقترن مشروع حضورك هذه الحفلة النادرة، بموافقة ولي أمرك؟ من اللائق أن اسكت عن التصريح واكتفي بالتلميح، غير انه لا مندوحة عن الاعتراف بانني خرجت من البيت غير مأذون لي، ولم ادخله بعد منتصف الليل الا بشفاعة وتوبة، وانذار بالمبيت خارج المنزل إذا خالفت الأوامر مرة أخرى.
وكان رجال الشرطة بانتظار الوافدين الى التيالرو وهم متسلحون بالعصي لحفظ الأمن ولضبط الأعصاب التي لا ضابط لها عند أصحابها حين يأخذ الطرب منهم مأخذه.
وغنى عبد الوهاب يومئذ، لكن بغير الحنجرة التي يغني بها اليوم، غنى بالحنجرة التي أذهلت ابراهيم عبد القادر المارني فعبر عن فضلها وفنها في فصل من كتابه، ـ قبض الريح ـ وبالحنجرة التي آمن بقدرتها على المعجزات احمد شوقي، وعاش على ولائه لصاحبها حتى الرمق الأخير.
وتبينت في صفوف السامعين يومئذ المغني الحمصي المشهود المرحوم عبد الرحمن الزيات وهو يقوم ويقعد، ويصيح باعلى صوته، يا استاذ، عبد الوهاب مندفع الى الغناء بصوته الرخيم ذلك البلسم الروحي الذي تصفو النفس حين يمسها من كل كدر والذي ينمو بالسامع الى الأعلى ويشيع الطرب الحق في أعماله، وكان يغني مواله (كل اللي حب انتصف وانا اللي وحدي شكيت)، وقد ذهب من عقولنا الواعية أكثر من الذي بقي، فنهض أحد السامعين في مقاعد الصف الأول فخلع جبته ورماها بين قدمي عبد الوهاب.
لا يزال الحمصيون الذين سمعوا عبد الوهاب منذ ربع قرن يحفظون هذه الذكرى، ذكرى سماعهم أجمل صوت وأرخم نبرة شاعت في سماء هذا الشرق من جيلنا الحاضر، وأكبر الظن أن الذين لم تبلغ مسامعهم ألحان هذا الموسيقار العاطفي في مستهل شبابه لا يقدرون مبلغ الخسارة التي منينا بها بتعرض حنجرته لافة الزمن الماضي الذي يأتي على كل شيء وقد أتى على هذه الأداة المعبرة الساحرة في ماضيها فبدل منها وغير وسبحان من لا يعتريه في ملكوته تغيير ولا تبديل.
لا تعجب ايها القارئ من تصريح فريد الاطرش الأخير التي نشرته مجلة (الشبكة) الفنية في بيروت، ذلك التصريح الذي يقول فيه أن عبد الوهاب يهرب اليوم من مواجهة الجمهور على المسرح ويكتفي بالغناء وراء الميكروفون وأنه أحس بهذا النقص فعوضنا عنه ضجيج الالات والمعازف.
صار عبد الوهاب اليوم قليلا بصوته وقد كان فيما مضى كثيرا، وزاد الطين بلة أن هذا الصوت الأخذ في الانحدار – ونرجو ان لا يتردى في الهاوية- أصبح لا يعجب الذوق الشرقي ولا يهمه رضي عنه سامعوه أم اعرضوا لانه راض عن خطته مطمئن فيما يختاره من ألحان- الى نجاح صوته على الاذن الشرقية.
وفي كل حال مهما يكن من أمر هذا المعلم الثاني بعد سلفه الشيخ سيد درويش فهو الأثير المفضل، ولا عليه ان يطمح في النيل منه من لا يلحق عبارة، غير المتطفلين الذين لا يجوز لهم ان يتحدثوا عن فنه لا جادين ولا هازلين.
الا تترحم معي على الفهم وعلى الذوق السليم ايها القارئ حين تسمع الى السمراء الفاتنة (ايمان) وقد قالت: انه ملحن لا بأس به.
ما شاء الله، تصريح خطير لا يشبهه في خطورته الا تصريح أم كلثوم حين سألها أحد الصحفيين ما احب الكتب الأدبية اليها فقالت: كتاب الاغاني لأبي الفرج الاصفهاني!!
5/3/1956