‏‏في الذكرى الثانية والستين لثورة 14 تموز.. اللواء المتقاعد شاكر العزاوي يستذكر وقائع الساعات الأولى

137

‏‏#خليك_بالبيت

علي ناصر الكناني /

ما زلت اتذكر جيداً ما حصل وما شاهدته من أحداث صباح ذلك اليوم التموزي القائض، وبالتحديد في الرابع عشر من تموز عام 1958، أي قبل اثنين وستين عاماً حين هرعت مسرعاً مع من هم في عمري من الصبيان في محلتنا الشعبية في كرخ بغداد وكنت قد تجاوزت العاشرة من العمر باتجاه منطقة الكريمات القريبة من الصالحية، حيث كان تمثال القائد البريطاني الذي احتل العراق عام 1917
الجنرال ستانلي مود الذي كان موقعه في الجهة المقابلة للسفارة البريطانية وشاهدت مع من كان معي كيف هبّت الحشود الجماهيرية الغاضبة وهي تنهال بالمطارق والفؤوس على التمثال وأسقطته على الارض وحطمته، معلنة تأييدها للإطاحة بالحكم الملكي في العراق الذي استمر سبعة وثلاثين عاما ليبدأ عهد جديد من تاريخ العراق المعاصر بإعلان الجمهورية.
هذه الحادثة وغيرها من الأحداث التي عاشها وشهدها الناس يومذاك تجلّت صورها في ذاكرتي وأنا التقي اللواء المتقاعد شاكر محمود العزاوي أحد الضباط الاحرار المشاركين في الثورة لإجراء حديث إذاعي معه لأحد برامجي الاذاعية.. وعلى الرغم من تجاوزه السادسة والثمانين من العمر الا أنّه كان ما يزال يتذكر كثيراً من الشواهد والتفاصيل لما حصل صباح يوم الرابع عشر من تموز عام 1958.
سألت اللواء المتقاعد شاكر العزاوي أن يحدّثني عن دوره كأحد الضباط الاحرار المشاركين في الثورة فقال: بعد دخولي إلى الكلية العسكرية الملكية عام 1955 في الدورة 34 دعاني الملازم الاول حامد مصطفى مقصود إلى الانضمام إلى تنظيم الضباط الأحرار، وقد كان هذا الضابط وراء ضم عدد كبير من الضباط إلى هذا التنظيم منذ 1956 حتى عام 1958 وبعد تخرجي في الكليه برتبة ملازم وقبل أسبوعين من إعلان الثورة، طلب مني مسؤولي في التنظيم النقيب علي محمد شريف وهو من إخواننا الاكراد ومشهود له بالشجاعة والوطنية بأن أحضر يومياً في الساعات الأولى من صباح الايام 12،13،14 أمام مبنى وزارة الدفاع كحضور إلزامي لأمر هام وأنا ارتدي ملابسي العسكرية غير أنّه لم يخبرني عن حقيقه الأمر حتى حل يوم الرابع عشر من تموز وحضرت كالمعتاد في المكان المحدد وفوجئت بوقوف سيارة عسكرية بالقرب مني وكان يجلس في مقدمتها النقيب علي محمد شريف ومعه عدد من ضباط الصف والجنود وهم يحملون أسلحتهم ليصطحبني معه، فعرفت حينها أنّ موعد إعلان الثورة قد أزف فغمرني شعور بالغبطة والفرح، لكوني سأنال شرف المشاركة فيها.

المهمة الأولى
قلت للعزاوي: في خضم تلك الاحداث المتسارعة في ذلك اليوم العصيب والحاسم هل لنا أن نتعرف على طبيعة المهمة التي كلفتم بها فقال:
لقد صدرت الأوامر لي من النقيب علي وحسب توجيهات العقيد عبد اللطيف الدراجي آمر الفوج الأول لواء العشرين الذي كلّفه العقيد عبد السلام عارف بمهمة السيطرة على وزارة الدفاع والمديريات والدوائر الحساسة والمهمة، فأمرني النقيب علي بان اصطحب مجموعة من الجنود للسيطرة على مديرية الشرطة العامة القريبة من وزارة الدفاع والدوائر المهمة المحيطة بها، وتوجهت فعلاً إلى المكان المطلوب ولم يكن فيه سوى أعداد من الشرطة المكلفين بواجبات الحراسة وسرية من شرطة السيار المكلفة بحراسة قصر الرحاب وبشكل دوري، وما إن قلنا لهم بخبر الثورة حتى سلّموا أسلحتهم معلنين تأييدهم الثورة والهتاف لها وقادتها، كما أطلقنا سراح الموقوفين والسجناء الموجودين هناك وتمت السيطرة على الموقف والعودة ثانية إلى النقيب لإبلاغه بتفاصيل ما حصل .

الصدفة تكشف عن مكان مطلوبين مهمين للثورة..
متعة الحديث عن تلك الساعات واللحظات الحرجة والمصيرية دفعتنا لمعرفة المزيد من المعلومات والوقائع التي عايشها العزاوي ذلك اليوم فقال: بعد أن أكملت شرح تفاصيل ما حصل للنقيب علي تذكّر فجأة أنّه نسي دائرة مهمة لم تجرِ السيطرة عليها بعد وهي متصرفية لواء بغداد، فطلب مني أن اصطحب حضيرة من الجنود مع أسلحتهم والتوجه إلى هناك لفرض السيطرة عليها، فما إن وصلت إلى المتصرفية وأمرت الموجودين من الشرطة بعدم المقاومة والاستسلام حفاظاً على حياتهم، لأننا أعلنا الثورة حتى بادروا جميعا بالاستسلام والتأييد للثورة وقادتها، وهنا أخبرني أحد ضباط الصف بأن هناك ثلاثة مسؤولين كبار يختبئون في إحدى الغرف داخل بناية المتصرفية، وبعد اقتحامي المكان مع مجموعة من الجنود فوجئت بأن هؤلاء الاشخاص هم كل من مدير الامن العام بهجة العطية وعبد الجبار فهمي متصرف لواء بغداد واللواء الركن عباس علي غالب مدير الشرطة العام وقد كانوا ينوون الذهاب إلى المطار لتوديع الملك فيصل للسفر إلى تركيا لحضور مؤتمر هناك.
سألت اللواء العزاوي أن يحدثني عن الطريقة والوسيلة التي اتبعها لإنقاذ تلك الشخصيات من نقمة الجماهير التي تجمعت بأعداد كبيرة خارج المكان وكان يصعب السيطرة عليها، فقال: نظرا لخطورة الموقف توجهتُ إلى الجموع المحتشدة وناشدتهم بصفتي أحد ضباط الثورة بان يجلبوا ما يتمكنون من جمعه من الطعام لجنود الثورة كجزء من المساندة والدعم لهم، وفعلاً انسحبت أعداد كبيرة منهم متوجهين إلى الاسواق والمطاعم القريبة من سوق السراي لشراء الطعام، فانتهزت فرصة انشغالهم فأحضرتُ سيارة عسكرية لنقل الشخصيات الثلاث بعد تغطيتهم ببطانية عسكرية لإخراجهم من المكان وإيصالهم إلى الضابط المسؤول وهم العقيد عبد اللطيف الدراجي والنقيب علي محمد شريف اللذان رحبا كثيرا بهذا العمل الذي لا يخلو حسب قولهما من الجرأة والشجاعة، ويضيف العزاوي قائلاً: للامانة والتاريخ فإنّهم عوملوا بكل احترام ولم يُعتدَ عليهم.. وأودعوا الموقف العام لحين عرضهم على اللجان التحقيقية المشكلة لهذا الغرض.
ومن الجدير بالذكر هنا كما يقول العزاوي أن هناك ثلاث شخصيات من الاتحاد الهاشمي بين العراق والاردن من بينهم وزير الدفاع الاردني سلمان طوقان قد تعرضوا أثناء مرورهم من هناك إلى القتل على أيدي الجماهير الغاضبة.

جثمان الملك فيصل تم إحضاره إلى وزارة الدفاع ..
ولعل حادثة مقتل العائلة المالكة والهجوم على قصر الرحاب هما الابرز بين كل تلك الوقائع والاحداث التي حصلت في اليوم الاول للثورة، وقد تأثر الزعيم كثيراً لمقتل الملك فيصل الثاني والعائلة المالكة كما يذكر لنا اللواء العزاوي بقوله:
بعد انتهاء واقعة احتلال قصر الرحاب قام أحد الضباط المشاركين فيها وهو النقيب عبد الله الحديثي بإنقاذ الاميرة هيام زوجة الوصي عبد الاله وهي كريمة أمير ربيعة في الكوت من الموت بعد إصابتها بجروح طفيفة أثناء إطلاق النار من قبل النقيب عبد الستار العبوسي، ونقل جثمان الملك فيصل الثاني بسيارة عسكرية إلى وزارة الدفاع، حيث كان هناك الزعيم الركن عبد الكريم قاسم الذي كنت أقف على مسافة ليست بعيدة عنه وأمر بحضور عدد من الأطباء من مستشفى المجيدية والرشيد العسكري لفحص الملك في محاولة لإنقاذه ولكن كان الأوان قد فات، فأمر بتغسيله ودفنه في المقبرة الملكية.
* موقف إنساني لا ينسى للزعيم
روى لنا اللواء العزاوي في المحطة الاخيرة من رحلة الاستذكار هذه موقفاً إنسانياً عايشه شخصياً، إذ قال: بعد أن صدرت الاوامر لي بتنسيبي آمراً لسرية حماية الزعيم، وأثناء إحدى الجولات الليلية له في منطقة خلف السدة التقى هناك امرأة كبيرة تسكن بيتاً من الطين وسألها: لماذا لا تبنين قطعة الارض التي تم توزيعها عليكم في مدينة الثورة؟ فأجابته ومن يعطيني الخمسين ديناراً حتى ابنيلي ولو غرفة؟ هذا “المخبل”؟ وتعني به الزعيم، فابتسم ولم يخبرها عن شخصيته فأرسلني وفي وقت متأخر من الليل إلى مرافقه الاقدم في وزارة الدفاع المقدم جاسم العزاوي لإكمال المبلغ الذي أعطاني إياه من جيبه وهو خمسة دنانير وفعلاً ذهبت إلى وزارة الدفاع بسيارتي العسكرية وبصعوبة بالغة تم جمع مبلغ خمسة واربعين ديناراً، لأن القاصة التي في غرفته لم يكن فيها سوى عشرة دنانير فأسرعت بالعودة إلى الزعيم وسلّمته ظرفاً فيه خمسون دينارا ليعطيه بدوره إلى العجوز التي شكرته وبعد ذهابه أخبرها أولادها بأن الذي أعطاك المبلغ هو الزعيم الذي شتمتِه.. فأخذت تتوسل بهم بان يأخذوها اليه لتطلب منه العفو والسماح الا أنه كان قد غادر المكان …
وأشار العزاوي في ختام حديثه إلى أن هناك مواقف إنسانية كثيرة للزعيم الراحل ظلت هي ومبادئ ثورته خالدة في ذاكرة الناس وعلى مر السنين والايام.

النسخة الألكترونية من العدد 363

“أون لآين -6-”