36عاما على استشهاد السيد محمد باقر الصدر عندما استعصى جثمانه الشريف على محاولات محوه

566

نزار حاتم/

فاجأني رفيقي الدفان المدعو عباس بلاش خضير البركاوي بخفة دمه، خلافا لما هو مألوف عند من يمارس هذه المهنة، ربما لأنه يريد مني زيادة في أجره، وقد أوحيت له باستعدادي لذلك ليريني المزيد من الجرائم التي اقترفها صدام بحق العراقيين.
لقد أشار إليّ بالتوجه إلى المقبرة التي تسمى بالجديدة شمال النجف، التي ما أن بلغناها حتى شاهدت عددا من الدفانين يقومون بتكفين رفات لأشخاص آخرين ورصفهم على الأرض ليتولوا دفنهم واحدا تلو الآخر في قبور قد أعدت لكل واحد منهم، ثم دعاني هذا الدفان إلى التوجه معه إلى ارض صحراوية متاخمة لعدد من المنازل وجدت عليها أكواما رملية صغيرة عرفت في ما بعد أنها بمثابة شواهد للذين دفنوا قبل ساعات عقب العثور على رفاتهم في مقابر جماعية، فيما سيعود الدفانون إلى استبدال هذه الأكوام بالاسمنت ليكتبوا عليها أسماء الضحايا.
كاد الجزع يحبس أنفاسي، فقد تمنيت لو أني لم افتح هذا الباب الواسع من الحزن على قلبي.
المفاجأة الكبرى!
وسط هذه الحالة، سألت الدفان الذي اصطحبني في جولتي: وماذا بعد يا رفيقي؟ إلى أين ستأخذني في رحلتك التي يسير فيها القلب على شفرة السكين؟
أجاب الدفان:
(سآخذك إلى مكان لم يخطر على بالك، سأريك قبر آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر).
لم أدرك جيدا ما سمعت. وتمتمت:
أجننت؟ من أين لك هذا، والعراقيون حتى الأمس القريب يرددون في كربلاء بمناسبة أربعينية الإمام الحسين (هلّه هلّه الصدر وينه.. ضيعوا كبره علينا)، فلقد تم إعدام هذا المرجع الكبير في عام 1980، عقب اعتقاله مع شقيقته بنت الهدى وقيل أن صدام حسين هو الذي قتل هذا المرجع الديني، وقــيل أن نائبه عزة الدوري هو الذي تولى المهمة القذرة، بينما آفادت رواية ثالثة أن صدام أطلق الرصاصة الأخيرة على الشهيد بحضور الدوري وقيل أيضا إنه أمر بإحراق لحية الشهيد تشفيا، وسمل عينيه، وغرزوا في رأسه مسمارا قبل أن يطلقوا الرصاص عليه.
والشائع بين الناس أن جثة الإمام الصدر لا اثر لها، وان لا قبر له.
تذكرت كل هذا وأنا أفكر بما سمعت من الدفان.
لكن عباس أصر بعناد:
ـ سوف ترى.
لم تمض سوى دقائق معدودة حتى وصلنا إلى بقعة من الأرض أعدت خصيصا لاحتضان رفات الصدر التي تم نقلها من قبره السابـق الذي كان دفن فيه بين القبور بإشراف جلاوزة الأمن الصدامي. وهو مكان قريب من مكتب الاستعلام عند المدخل الغربي لمقبرة وادي السلام.
مقتنيات الشهيد
سألت أحد الذين نقلوا الرفات من قبره القديم فورا بعد سقوط النظام في نيسان 2003 عما إذا كانوا عثروا على شيء من مقتنيات الصدر التي بقيت معه ساعة دفنه؟
رد عليّ احدهم بكلمة نعم واثقة موضحا، (لقد وجدنا خاتمه الذي كان يضعه في خنصره بيده اليمنى منقوشا عليه اسم (محمد) تيمنا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم).
هل يمكن أن أراه؟
ـ كلا أبدا، هذه الأمور موقوفه على مجيء نجله السيد جعفر الصدر من مدينة قم قريبا لنقوم بتسليمه له.
كيف تم العثور على رفات الصدر والجميع كان يتحدث عن محاولات جرت من دون جدوى من أجل التعرف على قبره؟.. بهذا السؤال توجهت إلى الدفان الذي جاء بي إلى هذا المكان.
ـ سأشرح لك تفاصيل القصة كما هي بالصورة التالية:
هل تعرف أنت التفاصيل حقا؟
ـ طبعا، لأن أخي الأكبر هو الذي دفنه عقب يوم من مقتله على يد النظام، وهو الذي عرّف الآخرين بمكان القبر.
كيف؟
عدم افشاء السر
ـ في الشهر الرابع من عام 1981 طرق باب منزلنا في الساعة الحادية عشرة والنصف ليلا كل من مفوضي الأمن جبار سعد حميد، وفاضل صاحي فرز علي، وطلبا من أخي التوجه معهما إلى المقبرة القديمة بدعوى أن عندهما جنازة يريدان دفنها، ولما وصلوا إلى هناك سأله المفوضان عما إذا كان يعرف اسم هذا المسجى، فأجابهم (نعم أعرفه انه محمد باقر الصدر).
فقال المفوضان (طيب بما إننا رجال أمن لا يمكن أن نتحدث لأحد بالأمر، فانك المسؤول وحدك إذا ما سمعنا بهذا الموضوع، أو انتقل الخبر، ولذا يجب أن توقّع على هذا التعهد الذي يقضي بإعدامك حال سماعنا بنبأ دفنه، وحينها لم يجد أخي بدا من التوقيع الذي ظل يؤرقه طيلة فترة حكم صدام مخافة أن يشي احد المفوضين بالأمر ويحمله المسؤولية.
كما عمدت مديرية أمن النجف طيلة هذه السنوات إلى استدعاء أخي كل ستة أشهر للتوقيع مجددا على هذا التعهد.
علامة دالة
وفي عام 1986 استدعي أخي إلى خدمة الاحتياط العسكرية إبان الحرب العراقية ـ الإيرانية فخشي أن يقتل في هذه الحرب ويضيع قبر الصدر، فتوجه إلى شخصين يثق بهما وأخبرهما بالأمر، مشترطا عليهما إداء القسم عند مرقد الإمام علي بعدم إفشاء هذا السر لكي يدلهما على القبر، وعقب ادائهما اليمين أمامه توجه بهما في منتصف الليل ودلهما عليه، مؤكدا انه قد نزع الخاتم الذي كان بخنصر السيد الصدر ودسه في الكفن ليظل علامة دالة على قبره ورفاته.
وفي عام 1991 إبان الانتفاضة الشـعبية ضد النظام المقبور قام رجال الأمن باقتياد أخي من منطقة خان المخضر في النجف واعتقاله من اجل التحقيق معه حول ما إذا كان تحدث لأحد حول مكان قبر السيد الصدر، فنفى ذلك جملة وتفصيلا فأفرج عنه بعد أن تحمل أنواع التعذيب.
نقل الجثمان
(لقد اضطر أخي لأن يخفي هذه المرة الحقيقة)، كما قال عباس بلاش. وأضاف: لقد اتفقت مع أخي أن الظروف لم تكن تسمح بعد الانتفاضة بأن نستمر في حمل السر وحدنا. واتفقنا على إبلاغ نفر قليل من أقرب أنصاره، وعمدنا تحت جنح الظلام إلى نقل الجثمان إلى مكان آخر على بعد ثلاثة آمتار من الأول.
وقد صدق حدسنا حيث قام رجال الأمن بعد عودة سيطرة نظام صدام على المدينة بهدم القبر الأول اعتقادا منهم أن الجثة مازالت فيه!
وهكذا ظل الأمر طي الكتمان حتى حانت ساعة الخلاص من صدام ونظامه المجرم فبادر أخي إلى كشف هذه الحقيقة بجميع ملابساتها ومعاناتها التي تحملناها كل تلك السنوات.
وبادر نفر من أصدقائه الذين حملوا السر معنا إلى إعادة تكفين الجثمان، ومن ثم دفنه في هذه البقعة الجديدة لتكون مزاراً.
نعم الحزن وحده يهز اطراقة الصحراء النجفية، ويحثو رمال الرذيلة بوجه صدام وزبانيته المجرمين.