“أنا عراقي … أنا أقرأ”

عبد الله صخي /

ما يفرحني في العراق قليل جداً. ومن هذا القليل فعالية “أنا عراقي… أنا أقرأ” التي انتهى موسمها السابع قبل أيام في مثابرة مخلصة قلّ نظيرها. ظاهرة فريدة تثير البهجة، تستحق الإعجاب والدعم والتوسع في ظل ركود كئيب محيّر في العديد من مجالات الحياة. شباب متطوعون يكرسون وقتهم لجمع الكتب وإهدائها مجاناً، فيما تستجيب دور النشر لندائهم فتتبرع بمئات النسخ من إنتاجها المعرفي المتنوع. ذلك مدعاة للفخر في بلد حافل بالصراعات والاضطراب. جُهدْ “الجنود المجهولين” هذا يذكّر بجهد متطوع ألماني أنشأ ما أُطلِق عليه “مكتبة الكتب المحروقة”. منذ عام 1976 حتى وفاته عام 2013 عمل “جورج سالزمان” على شراء وجمع نسخ بطبعات جديدة لنحو 12,000 كتاب كان النازيون أحرقوها بذريعة معاداتها للروح القومية الألمانية.
أغلب تلك الكتب نشر قبل عام 1933، عام النيران العنصرية، لمؤلفين شيوعيين واشتراكيين ذاقوا مرارة الحرب الكونية الأولى وكتبوا روايات عن أهوالها، من بينهم “أريك ماريا ريمارك”، و”هاينريش مان”. كان أغلب المؤلفين، الذين أحرقت كتبهم قد غادروا ألمانيا، ماعدا قلة منهم بينهم “اريش كاستنر” الذي شهد كتبه وهي تلقى في الأتون أمام عينيه. أول كتاب اشتراه سالزمان هو “الكفاح” “لآرنست فايس” الذي هاجر إلى فرنسا وعندما احتل النازيون باريس رمى نفسه من النافذة.
ربما كان والد سالزمان أحد أولئك الذين أضرموا اللهب في النتاج الفكري الألماني إذ كان نازياً لم يتحمل النهاية المأساوية لنظام هتلر فأطلق النار على نفسه عام 1945، حسب تقرير نشره الموقع الإنكليزي لـ “بي بي سي”. “مكتبة الكتب المحترقة”، التي يشكل الأدب القسم الأكبر فيها، بيعت إلى جامعة أوغزبيرغ عام 2009 وافتتحت للجمهور.
يقول أمين مكتبة الجامعة “غيرهارد ستمبف” إن مهمة شراء المكتبة لم تكن سهلة أمام مخاوف سالزمان من أن يُخصص النتاج الأدبي للباحثين فقط، لكنه اقتنع بوعدنا بفتح المكتبة أمام جميع القراء بدون تمييز.
غمرني سالزمان بالفرح لحبّه لنتاج بلده الفكري والأدبي والجمالي وشعوره بأهمية إعادة الحياة إلى الكتب التي تحولت إلى رماد قبل أكثر من أربعة عقود. وغمرني شباب ظاهرة “أنا عراقي أنا أقرأ” بالفرح لأنهم يحملون رسالة مهمتها إتاحة المعرفة من أجل الإسهام في بناء الإنسان الذي هدمته الويلات والنكبات، فالكتب “إنسانية مطبوعة” برأي الباحثة “باربرا توكهام”.