قراءة في اللوحات الفنيَّة

ياسين النصير/

أنشغل يوميا، خاصة في فترة الصباح المبكر، بنقل مجموعة من الصور الفنيَّة لفنانين عالمين كبار، تلك التي يعرضها الفيس بك، أو تلك التي بحوزتي في مجموعة كبيرة من الألبومات التي منحتها أوروبا لنا حين نتابع معارضها الفنيَّة الكبيرة والصغيرة، وأبقى شاكر لمنظمة الصحافة العالمية عندما منحتني هوية صحفية لمشاهدة كل المعارض الأوروبية مجانا، مصحوبة بهدايا مخفظة من الألبومات الفنيَّة لمشاهير الفنانين، إضافة إلى البوم المعرض المجاني وعشرات الالبومات الصغيرة لكل كاليري. هنا، ومن هذه الزاوية الغامضة في الروح النَّقديّة، وجدت أن متابعة هذه الحاسة المتطفلة على فنون العالم ومهرجاناتها ليست عبثاً، بالرغم من أنَّي لا أدعيّ الفهم للكثير مما يُقدم ويُعرض ويُشرح ويُكتب، فالمعارض الفنيَّة مدرسة مجانية للتعليم النَّقديّ،ومادة منفتحة على الحوار والمكاشفة، لذلك أجد في الفسحة الصباحية المبكرة قبل أن أذهب للقراءة أو الكتابة، فرصة مزدوجة لالتقاط اللوحات التي تبثها مواقع الفيس بك يوميا، فأجمعها في فايلات كما لو كنت أجمعها في خزائن وصناديق من خشب السيسم المُطرّز بالنجوم الصفر اللّامعة، وأُسكنها زاوية من زوايا بيتي – اعني ملفاتي- ومن هناك، ووفق الزمن اليوميّ الذي لعيشه بين مراجعة طبيب وقراءة كتاب، اذهب لهذه الفايلات الممتلئة باللوحات، فأتأمل ما فيها، قد أركز على لوحة ما ، لكّني بعد دقائق أجد نفسي متجولًا في حقل من ثمار التجارب العالميّة الممتدة من القرون الوسطى وحتى اليوم، اللّوحات الطبيعيّة إلى جوار الإنطباعيّة والرومانسيِّة والتكعيبيِّة والوحشيِّة والتجريديِّة والحديثة وما بعد الحداثة، يالصخب اللوحات وهي تتململ دون مشاهدة أو رؤية، إنَّها هناك حيث تسكن،وهي هنا حيث أتأملها وأؤلها.

شخصيا لا أجد ثمَّة فرق كبير بين مقالة أقرأها، ولوحة أتأملها، أو بين كتاب نقديّ أو فلسفي وإنتاج فنان أو مجموعة فنانين، فالنَّقديّة الحديثة هي الأخرى غيّرت نسقها البنائي، فلم تعد تلك النَّقديّة الأكاديميَّة الصارمة التشكّل، ولا تلك النَّقديّة الإنطباعيِّة او المنهجيِّة المحددة الصارمة، إنَّما هي هذا وذاك، تغتني تفاصيلها عندما تنفتح نوافذها على الفنون الشعرية، والسردية، والتشكيلية، والعروض البصرية، والقراءة اللغوية، فثمَّة كلام لا حدود له يستبطن لغات الفنون كلها.

النقطة المهمة الأخرى، في متابعتي اليوميّة للوحات المفردة أو للفنان مجتمعة، أجد من الرؤية النَّقديّة الشاملة أن تكون قراءاتي البصرية والإدراكية للوحات قراءة لثقافة بلد ما، وأستطيع القول الجازم: أنَّ قراءت لوحات فنانينا العراقيين، تعطينا تصورا عن بنيِّة الثقافة العراقية التي تشكل بمجموع عناصرها بنية ثقافية متضافرة.