معمعة عراقية

أزهر جرجيس/

لا أحد يدري متى تنتهي هذه المعمعة ولا كيف يتم ذلك. هي حتماً كغيرها من المعمعات التي مرّت بنا وصارت من الماضي. ستمرّ بلا شك، لكن كيف ومتى؟ لا ندري. لا أحد يدري. أراهن على ذلك. بل لا أحد يهمّه أن يدري، فالكل بحمد الله يعلم علم اليقين بأننا سنستيقظ يوماً ونسمع هلاهل. هلاهل نصر طبعاً. ما دامت حرباً فلابد أن يكون هنالك نصر وما دام هنالك طرف منتصر فلابد أن نكون نحن. على الدوام: إنّا لمنتصرون. ألم ننتصر في حرب الخليج الأولى؟ والثانية؟ والثالثة؟ في كل الحروب انتصرنا بلا شك. ومن يجرؤ أن يشكك بذلك؟! ليس نصراً فحسب، بل كان نصراً بلا خسائر، بلا ضحايا.
كنّا ندخل الحرب سالمين ونخرج غانمين. لم نعط ضحيّة واحدة ولم نعلّق لافتة سوداء واحدة. ليس هنالك أسرى ولا مفقودون ولا معاقون يقضون ما بقي من حيواتهم على كراسي مدولبة. الكل سالم، مسلّح، منتصر بالضرورة.
في ما مضى كنّا نودّع آباءنا للحرب بالأهازيج والهلاهل ونستقبلهم بالأهازيج والهلاهل. لا يتامى تخلّف حروبنا ولا أرامل ولا هم يحزنون. حروبنا يا سيّدي القارئ كزهر النرد بيد قمرچي قدير، (فرّتين) ويصيح (مَلْص). حروبنا سهلة مهما طالت، وعندما تنتهي تزهر أرضنا ويخضرّ وجهها من جديد. إي والله، تزهر أرضنا بعد كل حرب وينبت فيها بدل كل شوكة وردة وبدل كل عاقولة شجرة حناء.
يالله! كان الشوك والعاقول والعلّيق وحتى الشفلّح يتحوّل بعد كل حرب الى ورد وريحان وسدر ورمّان. أتذكر أنّي ذات يوم وبعدما وضعت حرب الخليج الأولى أوزارها خرجت الى باحة الدار فوجدت نبتة الشفلّح الحقيرة وقد تحوّلت الى سدرة كبيرة محمّلة بالنبق. سألت أمي يومها كيف تحوّل الشفلّح الى نبق يا أمي؟! فقالت هذه من نعماء الحرب يا بُني.
صدّقتها يومذاك لعلمي المسبق بخيرات الحروب وما تدره علينا من نعمة. ولا زلت أصدّق مقولة أنّ الحروب تمطر على أهلها البركة، وأنّ المعمعات مهما طالت ستنتهي بخير وفير. ربما كان هذا سرّ عدم اكتراثي بما يَسفي على أرضنا من غبار حرب ضروس، فهي معمعة ستنتهي يوماً ما. ستنتهي بلا خسائر ولا ضحايا ولا يتامى ولا أرامل ولا أمراض ولا عقد. معمعة فرضها علينا السفلة ذات يوم وستنتهي ذات يوم، ليتحوّل بعدها العاقول الى حنّاء والشفلّح الى سدر وارف، فاصبر وانتظر هداك مَن هداك.
ملاحظة: شرط التصديق بما جاء أعلاه أن يكون بحوزتك (كرَك).. مع خالص حزني.