موائد الرحمن

يوسف المحمداوي /

تتميّز جمهورية مصر العربية بطقوس رمضانية خاصّة تختلف وتتميّز بها عن الكثير من البلدان، وموائد الرحمن هي واحدة من عشرات العادات والتقاليد التي تعتاد على رؤيتها في هذا الشهر الفضيل، وهي حالة نادراً ما تجدها في بلد آخر لا سيما أنَّ المعروف عن مصر الانفتاح الفني وتصدرها الدول العربية في مجال التقدم السينمائي والمسرحي والغنائي والانفتاح العلماني الذي سبقت فيه العديد من دول العالم، وهذا كلّه باعتقادهم لا يبرر تنصلهم عن قدسية شهر الله الكريم، لذا تجدهم في الأيام الرمضانية في نقاء سريرة وقدسية روح وإيمان مطلق وتسامح كبير وعطاء لا ينضب في تطبيق شرائع الباري عز وجل، وهذا الأمر لم أصدقه من خلال الأخبار وإنّما لمسته وعشته عن قرب أثناء مكوثي في أم الدنيا كما يطلقون على قاهرة المعز، والغريب في تلك الظاهرة أنَّها لا تطبّق من قبل مشايخ الدين وميسوري الحال فقط، بل وجدتها منتشرة وبصورة لا تصدق عند أهل الفن، وموائد الرحمن بصورة تفصيلية للذي لا يعرفها تشبه إلى حد ما سفر الطعام التي تقدم عندنا في مجالس العزاء.
وما أدهشني وأثار استغرابي وسيارة الأجرة تقلني في حي المهندسين مائدة طعام وسط ساحة واسعة في ذلك الحي؛ تجمّع حولها بمقاعدهم العشرات من الصائمين بانتظار لحظة الفطور، وحين سألت السائق مستفسراً؛ هل هذه المائدة لأحد السياسيين أو رجال الدين؟ ردّ عليَّ مبتسما: “لا يا باشا.. إنَّها للفنانة الاستعراضية شيريهان”، وحين لاحظ استغرابي وعدم تصديقي للخبر قال وبجدية وانفعال: “والمرسي أبو العباس إنها لشيريهان”، وفهمت من كلامه أنَّها تدفع لكل مفطر على مائدتها عشرين جنيهاً لزيادة عدد المفطرين على مائدتها، وهي ليست الوحيدة كما يقول، فهناك مائدة للراقصة فيفي عبده في الزمالك، وهي تتبع منهج الفنانة شيريهان نفسه في عملية جذب الصائم لمائدتها، والأمر ينطبق على العديد من الفنانين المعروفين الذين يواكبون على إقامة موائد الرحمن سنويا في شهر رمضان المبارك وفي جميع مدن الجمهورية بحسب قول سائق الأجرة.
وهنا التفت القلب صوب بغداد وبقية محافظات البلد، معاتباً مدّعي الدين الذين جعلهم التغيير من المتمكنين، وكذلك الذين أصبحوا تجاراً بفضل سقوط النظام السابق بسؤال بسيط ومرير؛ لماذا لا يستثمرون هذا الشهر الفضيل بعمل موائد الرحمن للعوائل المتعففة والفقيرة، كما تفعل الراقصات في مصر لعلّ الله يمحو بعض ذنوبهم التي اقترفوها بحق شعبهم؟ أم إن تقليد الراقصات في فعل الخير يعد ذنباً باعتقادهم، متمنياً عليهم أن يفعلوها ولو “عالوحدة… وليس عالوحدة ونص”، وإنا لله وإنا إليه راجعون.