حبيب السامر الوطنُ مظلةٌ لأحلامنا

فهد الصكر /

حين تقرأ له، تجد أنك في ملكوت حب عذري الهوى، صادق المفردة في مغايرتها وقد تجاوزت التقليدية التي لم تفارق بعضاً من شعراء مجايليه. يكتب سلوكه الإنساني كما يتعامل به مع الآخر، يتلمس الأشياء المنسية في زوايا الواقع.
إنه شاهد صادق المعنى على كل ذلك، وهي مهمة الشاعر إزاء محيطه والعالم، لتظل قصائده درساً وبحثاً في مقبل الأيام. قريباً منه، وفي لذائذ محبته وسلامه وإنسانيته، قرأنا الواقع من خلال أجوبته:
• فلسفياً.. كيف تنظرالى الراهن الشائك حياتياً من خلال القصيدة؟
– حين تطل القصيدة من نافذة مزهرة، تلمح الاشياء بجمالها المنفتح على عطور شتى تقترب من حروف النص باتجاه تكملة الحركة التي بدأت من فتح النافذة وحتى غلقها. لكن عندما نطل من زاوية الوجع المعجون في ذواتنا تجد أن الكلمات ترشح الأسى وتختصر الملح المتركز في فم الشاعر، لتكون بذلك مترجمة لكل الهواجس المسكونة في المجتمع، وهكذا بنيت القصيدة على بحر الأمل، لتتجاوز بحورها البسيطة، متجهة نحو رسم خرائط الوطن بأصابع ترشح عذاباته. من هنا تتشكل القصيدة فلسفياً كونها الرديف التأريخي لهذا المعادل المتوازن وارتباطهما في وشائج الكون. لذلك فإن عالمنا الشائك والضجة الهادرة في مستويات الحياة يجعلان من الشعر الخلاص، والمُخَلِص من هذه الأزمات الدائرة والدائمة في استلاب الضوء وانهيار القيم ليشع وينير بؤر الجمال في حياتنا.
• صار البعض يكتب بلغة أقرب الى الوهم منها الى العدم.. هل صار الشاعر لا منتمياً؟
– لو أردت الإجابة بسؤال آخر: ما الغاية من الكتابة التقليدية والملغزة ثانياً، وهل أن تدوين الكلام صار وهماً وربما يقترب من العدم، والتهافت والازدياد الأميبي للشعراء وسط استسهال الألم ووجع القصيدة، جعل من بعض الشعراء خارج مملكة الانتماء الحقيقي للوطن وسمو القصيدة. لذلك علينا الانتباه دائماً الى أننا أبناء بيئة حقيقية أنتجتها لواعج قاسية من متغيرات واضطرابات غير منظمة خلقت من واقعنا وحتمت عليه أن يكون الراهن الأسمى كي ينتج الشعر في مرجل الانتماء والانتساب بحرقة، وأن المجتمع هو الأقسى بدوره أن يُخرِجَ هؤلاء من يد رحمة الشعر الحقيقي ويكون أغلبهم خارج سطوة الحلم الحقيقي، كونهم لم يتخذوا من الشعر مظلة حقيقية تقيهم من حرارة وبرودة القصيد أحياناً.
• أي الطقوس تشعل فيك جذوة الكتابة ولاسيما نحن نعيش قلق المقبل من الحياة؟
– ألا يكفي أننا في مدينة حين تهتز سعفة نخلها تحيلك الى مراوح الشعر؟ ثم أن مدينة البصرة يحيطها الشعر من جهاتها بحراً وبراً وقلباً ومحبة، لذلك فإن الطقوس المحيطة بنا ترسم لنا لوحة الطير فوق النوافذ الشناشيلية، وحين يأخذك المساء، عليك أن تستقل قارباً صغيراً يخترق صفحات الماء وبعدها حدثني يا صديقي عن الشعر. لكن وسط قلق الحياة وتشعباتها، تشتعل عندك جمرة الشعر وتحاول أن تمسكها بيديك، كم هي باردة رغم جمرتها اللاسعة.. تتحول أحياناً الى طائرة ورقية بخيط رفيع لتطل على هامات نخيلها، وتحاور النوارس في الشط… القلق الدائم هو كيف لنا أن نحافظ على شعلة النص واتقاده وسط جمهرة الطارئين، القلق يخلق مناخات أكبر للكتابة رغم قتامته المريرة.
• كيف تنظرالى هوية المواطنة وأثرها الثقافي بعد التغيير؟
– في ظل التغييرات المستمرة والأحداث المتسارعة اتسمت قضايا الهوية باجتهادات عدة وأثارت جدالات متكررة كي تبصرمدى الاستقطاب لدى المواطن المتمثل بالانتماء والانتساب، وبين الافتخار الظاهري والتقديسي العميق. تقول المصادر إن هير قليطس في القرن السادس قبل الميلاد كتب عن (نفي مفهوم سكون الأشياء، ودحض الإيمان بالجواهر الخالدة). وبعد ذلك بقرن تقريباً نتج عن تبلور الخلاف في الفلسفة عن التمييز والهوية، ويقوم تصوره للهوية وتعريفه لها بالاعتماد على ما يسميه بارمنيدس (القدرة على البقاء فوق حواجز الأمان وترّهات المكان)، وذلك لأن “الكينونة خالدة وما سواها ليس كذلك، وجوهر سرمدي حاضر باستمرار أو كائن خالص، وأن الهوية للكائنات الاختبارية هي ما تبقى كما هو رغم المتغيرات.” بذلك نجد أن التغييرات الثقافية التي شهدتها أعوام التغيير لم تتضح ملامحها بعد كوننا نعيش وسط ضجة الأحداث المتصارعة وأن تمسك المثقف بهويته تجلّى واضحاً في عرض إبداعه وهو يكتب بحرية دون رقيب.
• هل يلاحقك هاجس الوطن بغية رسمه في قصيدة بشكل جميل حين ندرك أن هناك من يريد الخراب له؟
– نعم، يبقى الوطن مظلة أحلامنا، نرسمه بحروف ملونة ونكتب على جدار القلب “هذا هو الوطن.. تحرسه حروفنا والملائكة”، ونحرص دائماً على أن نزيح عن روحه تراكمات الهمّ وما تعرض له من مواجع، نريده مشرقاً رغم ظلامات الكون، نريده مسكوناً بالجمال رغم قبح من يحاول أن يهدم سوره، هكذا نفكر له دائماً، كما يفكر بنا.
*بعد هذا التشظي للواقع الثقافي كيف تنظر الى مستقبل الشعر؟
– الشعر كائن حي يتنفس، يتجول، يحكي لنا حكايا متجددة، ينام على سرير الكلمات، يغرف من ماء الشط رشفة ماء يغسل بها وجه الصباح ويبتسم. مهما تشظت المفاهيم وتعقدت يبقى الشعر فنار محبتنا وأوجاعنا وحياتنا، يتناغم مع التطورات ويتجدد مع الأزمنة والأمكنة.
• الحداثوية في الأدب هل استطاعت أن تحقق طفرة في تراتب أو مستوى الشعر، وهل كنتم أوفياء للشاعر بدر شاكر السياب؟
– في بداياتي أثناء الدراسة المتوسطة، كنت في ثانوية شط العرب وهي تطل على غابات نخل كردلان، وفي المقابل كنا نتنسم هواء الشط، درسنا في مادة اللغة العربية قصيدة بدر شاكر السياب (أنشودة المطر)، وحين قرأها مدرسنا كنت أصغي الى ارتعاشة سعفات النخل وأرسم في داخل تلك العيون التي تحدث عنها السياب، انتبه المدرس لي وقال: هل أنت معنا ياحبيب؟ قلت نعم، حاول المدرس بنباهته أن يختبرني، طلب في وقتها، أن أقف بجوار السبورة وأقرأ القصيدة رغم أنها المحاضرة الاولى في قراءة القصيدة، لكنني كنت قد حضّرتها وحفظتها بشوق كبير، فكانت ارتكازتي الأولى وتعمقت في قراءة قصائد السياب وشعراء كثر. كيف لا نكون الأوفياء لهذا الإرث الكبير وهو يبسط جناح الكلمات على مرمى الجمال، الحداثة عافية الشعر وتجديده يكسبه الحياة بتعقيداتها وضجتها وتسارع إيقاع نبضها.