قراءة في تجر بة شاعرتين من الإمارات

عدي العبادي /

إن كلمة الشعر الإماراتي تحلينا الى المشهد الشعري الخليجي، وذلك لاتساق الدول الخليجية الست التي تجمعها لغة وجغرافية واحدة، وهناك عوامل مشتركة بينها في كتابة النص الشعري، ليس النص وحده بل حتى النوعية في كتابة النمط الأدبي، فهذه الدول تشترك بما يعرف بالشعر النبطي، وهو لون من الشعر الشعبي الدارج، ويسمى أيضاً (القصيد) وهو الشعر العربي المنظوم بلهجات الجزيرة العربية وما جاورها، ولاسيما الذي يعرف اليوم في المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات وباقي دول الخليج العربي.
كما تملك هذه الدول موروثاً شعرياً ضخماً من خلال الشعر الجاهلي الذي نشأ فيها، وكانت الموطن الحاضن له، إذ اهتم أهل الجاهلية بالشعر بشكل كبير في ما نجده اليوم من نفائس، حتى أن ابن سلام قال: “وكان الشعر في الجَاهلية عند العرب ديوان علمهم ومنتهى حكمهم، به يأخذون وإليه يصيرون. وفي مرحلة صدر الإسلام احتل الشعر مكانة خاصة إذ أعطاه الرسول الاعظم (ص) أهمية خاصة، وكان من حوله نخبة من الشعراء يردون على شعراء الكفار ويوضحون مفاهيم الإسلام.
وظلت الجزيرة العربية محط أنظار كل محبي الإبداع حتى بعد انتقال الخلافة الى الشام. وفي العصر الحديث استطاع الشعراء الإماراتيون أن يضعوا لهم بصمة خاصة ولوناً يميزهم عن باقي شعراء الخليج، حيث تجد في ما يكتبه الإماراتيون فخامة المعنى ورسم صور حداثوية، كما أنهم حققوا تقدماً كبيراً في الساحة العربية، والسبب هو اهتمام حكام دولة الإمارات بالأدب عامة والشعر خاصة، فقد رعاه سمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة, وولي عهده الأمين صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، وإخوانه أصحاب السمو أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد حكام الإمارات، كما أوعزوا الى الفضائيات والصحف والإذاعة بوضع برامج خاصة تهتم بالشعراء وتشجيع نتاجاتهم وطباعة دواوينهم. وتشير المصادر الى أن وزارة الثقافة الاماراتية تكفلت بطبع دواوين الشعراء، وهذا المحفز رفع الروح المعنوية عند الكتاب، إذ أن الاهتمام بالمبدع يجعله حريصاً على تقديم أفضل ما لديه، فالشاعر الذي يعرف أن منجزه يلقى الترحيب الواسع يعمل بجدية. يقول الناقد الإيطالي الكبير أومبرتو إيكو إن المتلقي ممول، فإذا وجد الشاعر متلقياً كبيراً فسيكتب بطريقة كبيرة. إن هذا الطرح هو مفتاح دخولنا الى عالم الشعر الإماراتي الذي نحن في صدد البحث عن مدلولاته ومكوناته كي نفهم طريقة الكتابة عند شعراء الإمارات، وسنقوم بتحليل بعض النصوص وفق رؤية نقدية، ففي دولة الإمارات تجارب مهمة تستحق أن يسلط الضوء عليها لما حققته من منجز كبير، ومع أننا نعيش اليوم على تخوم ظهور كم هائل من الشعراء، لكن يظل هناك مبدعون لهم حضور خاص.
أسماء صقر القاسمي، شاعرة من دولة الإمارات لها تجربة مهمة في كتابة الشعر، إذ تعد من الشاعرات المميزات بحضورها الابداعي، لها ثلاثة دواوين، وهي عضو حركة شعراء العالم في تشيلي، وراعية الموسوعة الكبرى للشعراء العرب. ترجم ديوانها “شذرات من دمي” إلى الإسبانية. تمثل أسماء بنت صقر القاسمي نهضة نسوية حديثة في عالم التنمية الفكرية والثقافية للمرأة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بحصولها على مساحة واسعة في مجالات الإبداع والأدب والمعرفة. أبرز ملامح شعرها الذي الصورة الشعرية، ومصطلح الصورة الشعريةأ من استخدمه أرسطو في كتابه (فن الشعر) الذي يعد أول كتاب نقدي.
يَسْتَنْزِفُ الْأَنْوَارَ
أنْفُخُ فِيهِمْ جَمِيعاً لِتُولَدَ نَارُ
الاِحْتِجَاجِ
يَنْبُتُ سِرُّهَا
يُدَوِّي صَوْتُهَا فِي أَسْـمَاعِ
الْقَبِيلَةِ
يَتَأَجَّجُ وَهَجُ الرَّفْضِ
أرْسُمُ بِأَظَافِرِي مَسَاراً لَانِهَائِيّاً
لِلصُّرَاخِ
تَتَّسِعُ لُغَتِي لِكُلِّ كَلِمَاتِ التَّذَمُّرِ
مجموعة تصورات على نسق متصل تحت مسمى سوقت من خلاله الشاعرة منتجها الأدبي بطريقة حداثوية، وقد تعدد في الطرح مع حفاظها على بنية العمل الذي يدور حول موضوع الأُنثى. إنها تثور على الواقع، إنه الرفض في الذاتية وانطلاق من كبرياء الشعراء الذي يرفضون الواقع ويصنعون لهم عالماً افتراضياً غير عالمنا، إن لغة الرفض معروفة في تاريخ الشعر الطويل، فقد انتقد أبو نواس امرأ القيس بما يعرف بالثورة النواسية، وانتقد أفلاطون الشعراء ورفضهم في جمهوريته. ونرى أن رفض الشاعرة جاء بحداثة جميلة بقولها “يَتَأَجَّجُ وَهَجُ الرَّفْضِ أرْسُمُ بِأَظَافِرِي مَسَاراً لَانِهَائِيّاً للصُّرَاخِ.” إنها تترجم الرفض بشعرية عالية تتجاوز بها المباشرة وتصل بنا الى منتج أدبي رائع ذي أبعاد دلالية فلسفية وكلام مختزل يمكن تحليله وإخراج الكثير منه، فوعيها الباطني فيه خزين معرفي يتضح من ما كتبته، لا أجزم أن النقد يمكن تحليل ما هو مكتوب فهناك الدلالات النصية.

ونتحدث أيضاً عن شاعرة إماراتية مميزة، هي الشاعرة فواغي صقر القاسمي:
ونحن الرجال لنهوى الجمالْ
ونعشق فيكنّ عذب الدلال
ونرسم منه الرؤى والصورْ
وما أن تكنّ كشمس الهجيرْ
وتُرجعن كل اشتهاءٍ حسيرْ
وتجعلن كل وصال عسيرْ
فيصبح عاشقكنّ أسيرْ
ليدرك كم كيدكن عظيمْ
وإن الرجال حطامٌ هشيمْ
ضحية وجه يحاكي القمرْ.
تأخذنا الدلالة النصية الى خيال واسع في مجمل النص، فمنذ البداية يدخل عامل الخيال، حين تصور الشاعرة نفسها بأنها صخرة منها ارتواء النهرْ، لتضعنا أمام عاملين متناقضين، فالصخرة جلد لا يخرج منها شيء، والعامل الثاني ارتواء النهر منها وهو يروي الاشياء. إن هذه الصورة المعبرة تندرج في خانة الخيال الإبداعي، إذ تصور لنا المبدعة من مخيلتها اقتراب المتباعد او مزج المحالات، وهذا الأسلوب يعرف بقصائد ما بعد الحداثة، حيث لا مركزية، فيكون تداخل الواقع بالأسطورة او عدم واقعية الواقع واستبدال الأثر بالذات، وكما عرفها جاك دريدا بـ “تناقض المعنى” لتنصع في النهاية ضربة شعرية ثم تواصل سردها الشعري على قافية مستخدمة براعتها بتنسيق الأبيات حتى تصل الى فكر “كيدهن عظيم والرجال حطام هشيم” تبرز علامات وعي كبير في ربط فكرة العمل بواقع فلسفي لأن الإشارة بكيدهن عظيم تعني النساء، وفي الوجهة الثانية تشبيه الرجال بحطام هشيم. تكتمل من خلال هذه الأبيات ماهية النص المطروح على طاولة النقد الذي يبحث في مواطن الجمال والمعرفة.