المنتجات العراقية تطلق نداء استغاثة

ريا عاصي /

منذ تكليفي من قبل رئيسة التحرير بملف العدد هذا، وأنا أتردد جداً في تحرير المادة التي جمعتها، لأنني عاجزة تماماً هذه المرة عن العثور على بداية مناسبة للموضوع، وما الاسئلة التي أريد أن يجيبني عنها أصحاب الشأن من مسؤولين ومواطنين.
نشرت وكالة الأنباء العراقية (واع) بتاريخ 23 نيسان الفائت تصريحاً لوزير الزراعة العراقي صالح الحسني يدعو فيه “القوات الأمنية وحرس الحدود والمنافذ الحدودية إلى منع دخول البيض المستورد”، مؤكداً أن “هناك خطة وضعتها الوزارة للتحكم بدخول المنتج المستورد إلى البلاد، ما سيحقق الاكتفاء الذاتي بالمنتج من بيض المائدة المحلي.”
في اليوم نفسه نشرت (واع) عن وزارة الصناعة العراقية خبراً يقول: “إن مجلس الوزراء وبجهود وتدخل شخصي وعاجل من وزير الصناعة الدكتور صالح عبد الله الجبوري اتخذ قراراً خلال جلسته الاعتيادية المنعقدة هذا اليوم (الثلاثاء) بإيقاف استيراد العصائر والمرطبات والآيس كريم من خلال تفعيل المادة (60) من قانون الموازنة العامة للعام الحالي، والتي تنص على منع استيراد منتجات الصناعات الغذائية (المرطبات والعصائر) والتمور والفواكه والخضر التي لها منتج محلي مماثل يغطي حاجة السوق المحلية.”
ففي بلد تخترق حدوده بشكل يومي كميات هائلة من الحشيش والأسلحة والأغنام والمفخخات والبشر ولائحة طويلة من المواد الممنوعة بصورة غير شرعية وتحت حراسة مشددة ومدججة بالسلاح، وفي بلد تكشف ملفات فساده في العلن وفي مؤتمرات صحفية علنية تتناقلها أجهزة إعلامية عدة، ولا ينال السرّاق عقاباً بحجم فعلتهم، في بلد كهذا هل سيمنع حرس الحدود دخول بيض المائدة المستورد؟؟ وهل سيغنينا البيض العراقي عن شراء المستورد الأفضل تغليفاً ودون مخلفات ملتصقة بالبيضة وبسعر منافس؟

بيانات صادمة
بحسب تقرير أعدته وزارة الصناعة والمعادن العراقية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) ونشرته في أوائل نيسان من هذا العام، فإن نسبة الإنتاج الوطني اليوم تعادل 1% مما تستورده الدولة، في حين كان يعادل 15% من وارداتها قبل عام 2003، ويعزى تدني النسب إلى تعرض كثير من مصانع الدولة والشركات العامة إلى تلف البنى التحتية جراء التقادم أو بسبب عمليات السلب والنهب إبان سقوط النظام السابق.
ونسبة مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإنتاجي تبلغ 2,4 % علماً أنه قد مرت سنوات كان الناتج فيها صفراً.
ولعل التدهور الشديد في الإنتاجية وارتفاع نسبة التلكؤ أو التوقف التام في الوحدات الإنتاجية والخدمية والصناعية في القطاعين العام والمختلط ناجمٌ عن أن 70% من شركات القطاع العام تعمل بثلث طاقتها التصميمية أو نصفها في أحسن الأحوال، وكذلك تدنّي نوعية المنتجات الصناعية العراقية، إذ تلتزم الشركات العامة والمختلطة بالحد الأدنى من المواصفات القياسية العراقية المشتقة من المواصفات العالمية، بينما تعجز شركات القطاع الخاص في أغلبها عن تطبيق هذه المقاييس.
ولا تلعب الصناعة دوراً كبيراً في تشغيل الأيدي العاملة في العراق، إذ بلغ إجمالي قوة العمل في الصناعة بجميع قطاعاتها (عام ومختلط وخاص) 500 ألف عامل تقريباً كما أن 40% من شركات القطاع العام تعتمد على المعونات الحكومية في سداد أجور العاملين فيها، بينما لا تتمتع شركات القطاع المختلط والخاص بهذه المعونة.
في تشرين الأول من عام 2015 صادقت الأمانة العامة لمجلس الوزراء على قرار دمج وتقليص الشركات التابعة لوزارة الصناعة والمعادن العراقية، حسب تشابه التخصص والنشاط الصناعي، ليقتصر على 32 شركة عامة سعياً منها إلى رفع المستوى والجودة الصناعية للمنتج العراقي ضمن خطتها للنهوض بواقع الصناعة العراقية.

إحصاءات وزارة الزراعة
وعلى وفق التقارير التي يصدرها الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط فإن المحاصيل الزراعية عام 2018 شهدت تراجعاً عنها في العام السابق بسبب شحة المياه، علماً أن التقرير استثنى المحافظات الشمالية ومحافظتي صلاح الدين والموصل، في حين شهدت بعض المحاصيل اكتفاءً محلياً مثل الذرة الصفراء والرز، والطماطم والبصل الأبيض والبطاطا، وأفادت التقارير أيضاً أن محصول فاكهة الرمان بلغ أعلى نسبة منذ عام 2016 وأن السوق المحلية مكتفية منه ويمكن تصديره، كذلك بالنسبة للثروة الحيوانية من السمك والأغنام والدجاج وبيض المائدة.
المتابع للشان الزراعي العراقي سيلحظ أن وزارة الزراعة تخاطب بين حين وآخر وزارة التجارة مطالبةً إياها بمنع استيراد بعض المحاصيل الزراعية لترويج الاستهلاك المحلي منه في الأسواق العراقية بدلاً من المستورد.

المنتج العراقي
في الأسابيع القليلة الماضية أطلق ناشطون عراقيون حملات في مواقع التواصل الاجتماعي تدعو إلى مقاطعة البضائع المستوردة من الجارتين إيران وتركيا، قبلها بعامين أطلقت حملة لمقاطعة البضائع التركية مقابل فتح تركيا سد أليسو المقام على منابع نهر دجلة، لكن هذه الحملات لم تلاقِ تفاعلاً حقيقياً في الشارع كذلك الذي لاقته في العالم الافتراضي “الفيسبوك”. وفي عام 2016 أطلق ناشطون عراقيون حملة بعنوان (صنع في العراق) بالتعاون مع صناعيين ومسؤولين حكومين لدعم المنتج العراقي.
في مواقع التواصل الاجتماعي يلحظ المرء ذلك الحنين والنوستالجيا لمنتجات عراقية كانت تنتج في السبعينات من قبيل منتجات مصلحة الألبان أو شركة جلود أو منتجات مصلحة الزيوت وغيرها، لكنها بدأت تختفي من التداول بسبب تآكل البنى التحتية الصناعية الناجم عن الحروب الكثيرة والحصار الذي دخله العراق شعباً ومؤسسات جرّاء جنون نظامه السياسي السابق ورعونته.
إن من المفاجئ أن بعض الشباب الذين لم يدركوا زمن الجمر والحصار يتصورون أنه كان “زمن الخير”، في حين عانى العراقيون فيه ألواناً من التجويع والقهر الممنهج ومحاولات الإذلال، وعانت الصناعة أيضاً من ذلك، فقد صدرت قرارات جائرة بإعدام من يُصنّع المشروبات الغازية المنزلية والحلويات والآيس كريم، في وقت كان راتب الموظف الشهري أقل من سعر طبقة البيض، وكان الهدف المعلن من الحصار الاقتصادي الدولي إيقاف التسليح العسكري للعراق وإنهاء القدرات الحربية للنظام الديكتاتوري السابق، لكن في الحقيقة كان الحصار موجهاً ضد خبز موائدنا وأدوية مرضانا، وقد أسهم في إنهاء البنى التحتية لمؤسسات الدولة الخدمية في القطاعات كافة.

هل يُغنيكَ المحلي عن المستورد؟
في استطلاع عشوائي قمت به عند أحد أكبر الأسواق في الكرادة، سألت المتبضعين بصورة عشوائية، فكانت النتيجة أن 25 متبضعاً من بين 30 فضلوا مشتقات الحليب المستوردة على العراقية وذلك لتنوعها وجودتها وحسن تغليفها، أما الخمسة المتبقون ففضلوا منتجات الألبان العراقية سواء أكانت أهلية أم حكومية، إلا أن الجميع اتفقوا على أنهم يفضلون شراء الرز العراقي كونه الألذ طعماً بالرغم من أنه أغلى من المستورد.
العيّنة نفسها فضلت اللحم الطازج على المستورد الجامد إلا أنه لارتفاع أسعاره فإنهم يستخدمون الجامد من المستورد لأكلات معينه، وفضّلَ 28 منهم الأسماك العراقية على المستوردة و2 فقط فضلوا المستورد لاقتناعهم بأن ماء الأنهار ملوث، بينما اتفقوا جميعاً على أن السلع الكهربائية الأجنبية هي أفضل بكثير من العراقية التي تعد قليلة الجودة وسيئة المظهر وغالية قياساً بالبضائع الإيرانية والتركية والصينية.
اما الخضراوات فاتفق الجميع على أن المحاصيل العراقية هي الأفضل لكنها ليست متوفرة دائماً وإن توفرت فهي أغلى من المستورد غالباً، وحين سؤالي عن تشجيعهم لمنتجات البلاد، اتفق الجميع على أن الجودة والسعر هما المقياس الأكبر وإن المنتج العراقي سيئ الجودة وغالي السعر قياساً بالمستورد.

ازدهار البطالة
الحرب تنهي جودة الحياة، ففي بلد فتكت به حروب ونزاعات ودكتاتور أنهى عصب التقدم بقتلهِ روح المواطنة والشعور بها، كل ذلك أسهم جدياً في إنهاء جودة حياة كاملة. در بوجهك اليوم أنّى شئت ستجد أن نسب البطالة في تزايد مستمر، وعلى الرغم من ذلك فنحن نستورد العمالة الأجنبية؛ عمال نظافة، عمال بناء، عمال حمل، حراس، موظفين، طباعين، طباخين، وهذه معادلة ظالمة، لا سيما حين نجد أن نسبة الوافدين بدأت ترتفع وتتراجع بإزاءها الأيدي العاملة العراقية، حتى أننا بدأنا باستيراد عمال خدمة فنادق ومنازل من الخارج.

في مواجهة الذات!
صحيح أن الفساد مستشرٍ في كل مكان، وصحيح أن هناك مراكز توقيف في بغداد يُحتجزُ في أقبيتها أكبر حيتان الفساد في العراق من نصّابين وسرّاق يدعوهم الشارع العراقي بـ “جماعة الـ 56″، وهذا التوقيف تحميه عصابات من المسلحين تحتمي بمتنفذين، وصحيح أن بائع البسطية الصغير يمكن أن يتهم ويحاسب، إلا أن سرّاق البطاقة التموينية منذ زمن الغول لليوم ما زالوا يلعبون بخبز موائدنا، كل ذلك صحيح، لأننا رضينا أن نساهم في الخراب عندما قبلنا بالأقل جودة.. نحن نقبل أن نحيى حياة قليلة الجودة بلا مراحيض عمومية نظيفة أو ساحات خضر جميلة.
نحن لا نتمّ ما بدأناه بأفضل صورة، ونفضل العامل الآسيوي على العراقي لأننا نعتقد أنه أفضل في العمل وأقل أجراً، لكننا لا نسعى لتطوير مهارات العامل العراقي، اختر منتجك العراقي وطالب العامل بأن ينتجه بصورة أفضل، أبناؤنا يدرسون اليوم في مدارس أهلية محلية أو أجنبية، ولانطالب مدارس الحي بالتطور ولا نساهم في ذلك، طماطم الزبير تذبل في صناديقها ولا نساعد مزارعيها في توصيلها لبيوتنا!! كيف إذن سنسهم في تحسين ما يُصنع ويُنتجُ في العراق من غير أن نحسّن انتماءنا!