تشرين.. الاحتجاجات التي عبَرت الخطوط وحطّمت القيود

إياد عطية الخالدي – ريا عاصي تصوير: يوسف مهدي/

على إيقاع الأناشيد الحماسية، أحيا آلاف المتظاهرين العراقيين الذكرى الأولى لاحتجاجات تشرين في ساحة التحرير وهم يحملون صور الشهداء الذي سقطوا في سوح تظاهرات الثورة التي قدمت حوالي 600 شهيد وآلاف الجرحى وعشرات المغيبين، رغم شعار السلمية الذي رفعه المتظاهرون وحافظوا عليه رغم العنف الذي واجههم .
وجاب شباب، يرتدون القمصان البيض ويلوحون بالعلم العراقي، الساحة وهم يهتفون بشعارات الثورة ونشيدها الحماسي
(ياعراق ترجع شي أكيد بحيلك.. يضحك نهارك يا وطن وي ليلك..
جرحك جرحنا وانت ابونا الغالي.. شتريد اطلب منا نسويلك..
ياحبنا الأكبر انحبك أكثر الله أكبر)
فيما صدحت الأناشيد والهتافات التي تمجد التظاهرات وتضحياتها، انهمك شباب بتزيين الساحات وترتيبها بينما عمل عشرات الفنانين على رسم جداريات جديدة وتلوين جدارياتهم السابقة على طول نفق التحرير، وانضم مئات المتظاهرين إلى عمال أمانة بغداد لتنظيف الشوارع وإعادة تنظيم وترتيب الخيام ونصب خيام جديدة، في إشارة إلى استمرار الثوار بمطالبتهم بوطن يحتضن تطلعاتهم.
لوحات ملونة
وقريباً من إحدى الخيام في ساحة التحرير، وكجزء من نشاطهم لدعم الاحتجاجات، عمل (قيصر) و(زينب) على رسم صور الشهداء و لوحات تمثل الهتافات والشعارات بواسطة الدبابيس الملونة وبيعها والتبرع بريعها لجرحى التظاهرات.
تقول زينب: “الاحتجاجات علمتني طول الصبر والتنازل عن العديد من أكسسوارات الحياة التي كنت أبحث عنها، وأصبحت أكثر جدية وحذراً، فالحياة ممكن أن تسرقها منا رصاصة قناص أو دخانية منتهية الصلاحية كما حدث لأصدقائنا.”
وعلى مقربة منهم تنشغل الطالبة في كلية الطب (فاطمة) وصديقاتها بعرض الحلي العراقية من الخيوط الجلدية والخرز، وقررن التبرع بريعها لمعالجة جرحى الاحتجاجات.
موكب التكتك
ووسط الفعاليات التي تنوعت في الساحة، سار موكب كبير لعربات التكتك الصغيرة التي ارتبطت بالتظاهرات، فحين لم تتمكن سيارات الإسعاف من الدخول إلى الساحات لاخلاء الجرحى، كانت عربات التكتك تقتحم النيران والدخان وتعمل على إنقاذهم ونقلهم إلى سيارات الإسعاف وأحياناً إلى المستشفيات.
يقول (حسن حميد)، الذي يقود موكباً من عربات التكتك المزينة بالأعلام العراقية بينما تعلو أنشودة تمجد أصحاب التكتك: إن أصحاب التكتك كانوا في طليعة المحتجين وفي مقدمة المضحين، لقد ساهمنا بإنقاذ حياة المئات من المحتجين الذين أصيبوا بجروح خطيرة، وكنا نواجه معهم الدخانيات، وإن الناس والمتظاهرين مازالوا يشيدون بدورنا، وإننا بعد الاحتجاجات حصلنا على حب واحترام الناس والعالم، وصارت تظاهرات تشرين تعني لنا الكثير، فالتكتك مثل المطعم التركي رمزان ارتبطا بها.
يقول (حيدر العراقي)، وهو أحد الشباب الفاعلين في الساحة، إن الاحتفال بتشرين أعاد لقاءنا مع الشباب الذين اشعلوا الاحتجاجات في العام الفائت وقد استعدنا ذكرياتنا هنا ومواقف الأبطال والشهداء الذين قضوا لاجل اهداف الاحتجاجات.
“في الأسبوع الماضي تجمعنا من جديد من أجل إحياء ذكرى الثورة، وقام فريق من الشباب بتنظيف وتعفير الأماكن، وفريق آخر تكفل بإعادة وترميم لوحاتهم، وتم الاتفاق على عمل (بازار) داخل النفق للحرَف اليدوية بهذه المناسبة.

الثورة التي سحقت الطائفية
يعتقد المراقبون أن احتجاجات تشرين، بشعاراتها وأهدافها، لم تحقق إجماعاً عراقياً على أهدافها ومطالبها فحسب، بل إنها وحّدت العراقيين، في حين فشلت جميع مؤتمرات ومشاريع الساسة في تحقيق هذا الهدف رغم المليارات التي خصصت لمشاريع ومؤتمرات المصالحة الوطنية . تقول مقدمة البرامج (شهد) إن وقوفها هنا، في ساحة التحرير، تسبب بخسارتها لوظيفتها، وتضيف: “كنت أعتقد أن الشاب العراقي لا يهمه بلده، لكني رأيت بأم عيني من يضحي بدمه من أجل العراق، وتمكن الثوار أن يسحقوا الطائفية التي تغذيها المصالح الخاصة.”
وأعاد المحتفلون بالذكرى الاولى لما بات يعرف باحتجاجات تشرين التي أدت إلى إسقاط حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي في نهاية كانون الأول من العام الفائت، ومن ثم تشكيل حكومة جديدة بعد ستة أشهر من ذلك التاريخ برئاسة مصطفى الكاظمي، أعادوا التأكيد على العمل لتحقيق مطالب المتظاهرين، ومن بينها إجراء انتخابات نزيهة ومبكرة في حزيران المقبل.
يقول المتظاهرون إن الحكومة وعدتهم بالكشف عن قتلة المتظاهرين ومحاسبتهم، لكن عملية القتل والاختطاف مازالت مستمرة.
لكن رئيس الحكومة مصطفى الكاظمي أطلق سراح مئات السجناء والمعتقلين من المتظاهرين، وتمضي عدة لجان كلّفها الكاظمي في إعادة الاعتبار للشهداء ومنح عوائلهم جميع حقوق الشهداء، فيما أكد في أول حوار تلفزيوني معه، من خلال شاشة العراقية الإخبارية، أنه كلف لجنة لتحقيق العدالة، مشدداً على ضرورة محاسبة القتلة.
الكل يؤكد ومعهم الكاظمي في رسالته الى المتظاهرين أن تشرين ٢٠١٩ أحدث انقلاباً في الوعي السياسي بعدما كان محتكراً بالوعي الحزبي العقائدي الذي يشبه إلى حد ما المدونة الدينية كما لو كانت طقساً شعائرياً لابد من ممارسته لإسقاط الواجب، فكان الذي يفكر خارج إطار هذه السردية يعد مشبوهاً، ولهذا كانت شعارات تشرين متعطشة للهوية.

الوطنية..
سقوط قناع الخوف
يؤكد الناشط (سلام الحسيني) أن ثورة تشرين أسقطت قناع الخوف المتمثل بحدث الاحتجاج الذي كان محصوراً بالأحزاب وجمهورها، فتشرين انبثقت كحالة فردية عفوية رسخت وجودها عبر فهم المعطيات التي توجب التظاهر ورفض الفاسدين، وكشفت زيف الادعاء الذي يقول إنه لن تكون هناك احتجاجات مالم يكن لها زعيم ديني أو سياسي.
ولفت الحسيني إلى حجم المشاركة النسوية الفعالة التي توحي بحالة التمدن بعد عسكرة المجتمع نتيجة الحروب والرعب وتقييد المرأة بذرائع عقائدية متطرفة شتى، فضلاً عن تنامي شعور المواطنة الباحثة عن هوية حقيقية بعيداً عن الانتماءات الفرعية، ولم نعهد ذلك منذ وصول حزب البعث للحكم.
ويعتقد الناشط، الذي ساهم مبكراً في حركة الاحتجاجات، أن كل التظاهرات السابقة كان محتواها صراعاً حزبياً يبحث عن نصر سياسي لتكبير حصص الكعكة، غير مكترث بجذر المشكلة الأساسية التي تتعلق ببنية النظام المحاصصاتي الذي يفرز فشلاً متراكماً بتعاقب الحكومات، لذلك كانت انعطافة تشرين سياقاً جديداً أدى إلى استقالة حكومة عبد المهدي، وهو مالم يكن ليحدث منذ سقوط صدام، فضلاً عن فرض حالة القبول والرفض غير الواردة في هذا النظام لكل المرشحين بعد عبد المهدي.
وشدد على أن تشرين رسمت ملمحاً كان قد غاب طويلاً عن الحضور في المشهد السياسي ألا وهو الدور الطلابي والنقابات والاتحادات لتشكل نقطة التحول البارزة في صنع القرار والتأثير حتى وإن كانت تواجه معوقات كبيرة حاولت السلطة وضعها لتغييب الدور المهم لها، كما أنها نجحت في إعادة النظر بمجالس المحافظات وصدور قرار، آنذاك، بإلغائها وصار المتظاهر مراقباً للدور الذي تلعبه هذه المجالس وتقييم أدائها لحين البت بإزاحتها تماماً، وعملت على تعزيز حالة المطالبة بالحقوق، وصار الموظف والخريج يمثل تحدياً كبيراً للحكومة بعدما أخذ دور المطالب بحقه في التوظيف والمشاركة في رسم سياسات البلد وهو ما سيتحقق مهما ظن الآخرون أنه بعيد.
في حين تظهر (أم حسين)، وهي سيدة خمسينية ربة بيت، ساهمت بدعم المتظاهرين، الكثير من الرضا عما تحقق وتقول: زوجي استشهد في عام 2006 أثناء الواجب، كان يعمل في وزارة التخطيط، كنت أعتقد أن لا أمل من العراقيين في نفض غبار الحرب والطائفية عنهم، لكن أبنائي كانوا في الساحة وساهمت معهم وحمدت الله أن جاء اليوم الذي يمكننا أن نواجه الظلم بصوت عال ونرفضه، وهذا أحد مكاسب الثورة.
مواكب حسينية
أما (سجى)، وهي شابة ثلاثينية فقدت حملها أثناء التظاهر فتقول: “لا أعرف إن كانت التظاهرات قد جلبت شيئاً جيداً للبلد، لكني أعرف أن القادم أفضل، ليس لأن السلطة تحسنت، لكن لكون الناس قد تعلموا أن يطالبوا بحقوقهم.”
وأعرب (محمد لطيف) عن سعادته بما حققته احتجاجات تشرين، يقول: “فرحتي لا توصف وأنا أرى ابني الصغير وهو يرفع العلم العراقي ويحمل صورة ابني الشهيد في معارك الموصل على صدره ويطالب بحقوقه وحقوق أبناء أخيه وأخته صاحبة الشهادة العليا وزملائها الذين تم رشهم بالماء الحار أثناء اعتصامهم للمطالبة بحقوقهم.”
ولأن العراقيين في ذكرى تشرين كانوا يعيشون أجواء عاشوراء، فإن معاني ثورة الحسين ضد الظلم والطغيان كانت حاضرة، فعلى امتداد الشارع المرتبط بنفق التحرير توزعت عشرات المواكب التي يشرف عليها المتظاهرون الشباب، حيث تصدح الأناشيد الحسينية التي تمجد الطف وتضحيات البيت النبوي، فيتفاعل معها الثوار الذين يؤكدون أن ثورة الحسين هي ملهمتهم الأولى لمواجهة الظلم والطغيان.
لهم الفضائيات ولنا الساحات
أما (حسنين)، الطالب في كلية الهندسة مرحلة ثانية الجامعة التكنلوجية، فقد أعرب عن أسفه لما أسماه بصراع الزعامات ومحاولات تحقيق مكاسب شخصية على حساب المصلحة العامة، وأشار إلى أن هناك مجاميع تقدم نفسها على أنها تمثل اتحادات أو قيادات حركة الاحتجاج تمثل الطلبة، وحدث اليوم بينها صراع أدى إلى نشوب مشاجرة بالعصي، وكل مجموعة تزعم أنها الممثل لحركة احتجاجات الطلبة، والأمر نفسه يحدث بين جهات أخرى ومجموعات تتصارع على الزعامة، وعلى الظهور في الفضائيات، والعديد منها شخصيات لا يعرفها المتظاهرون، لكن الفضائيات تقدمهم للناس كقادة لحركة الاحتجاجات.
ويقول حسنين: على أية حال، لهم الفضائيات ولنا الساحات، فالثورة ولدت من رحم الألم
العراقي الكبير، وأبطالها يريدون وطناً حراً كريماً يعيش فيه جميع العراقيين بكرامة، وطناً عزيزاً يقدم الخبز والكرامة لأبنائه، لا فرق بينهم إلا بمقدار العطاء والاجتهاد، وليس وطناً منهوباً يتقاسم خيراته الفاسدون، فيما يعيش الفقراء على هامش الحياة، ويعاني الشعب الحرمان من أبسط الخدمات، وهم يعيشون على بقعة من أغنى بقاع الأرض في العالم بثرواتها، لهذا فإن تشرين سيبقى راسخاً في ضمير الشعب مهما حاول السرّاق تحويله إلى مكاسب شخصية تخدم أطماعهم في السلطة والجاه.