شائعات “كورونا” تحلّق بأجنحة مواقع التواصل

#خليك_بالبيت

إياد عطية الخالدي /

بالتوازي مع سرعة انتشار فيروس كورونا تنتشر الشائعات المتعلّقة به، فتضاعف حجم الرعب الكبير الذي بات يحاصر الناس مع تواتر الأنباء التي تفيد بارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس الذي أودى بحياة اكثر من 36 ألف إنسان حتى ساعة إعداد هذا التقرير.
كم هائل من الأخبار الزائفة التي بثَّت الهلع في نفوس الناس بينما هم بأمسّ الحاجة إلى ما يرفع معنوياتهم لا سيما أنّ نصف سكان العالم على الأقل باتوا محاصرين بمنازلهم في محاولة لعزل الفيروس والحد من انتشاره من خلال ما صار يعرف بالحجر المنزلي.
وتحوَّلت مواقع التواصل الاجتماعي إلى بؤرة كبيرة لترويج الشائعات على نطاق واسع، على الرغم من إعلان مالكيها أنَّهم سيلاحقون الأخبار الزائفة التي باتت تنشر الخوف والقلق في نفوس الناس فتضيف إلى معاناتهم معاناة أخرى.
أخبار وفيديوهات مفبركة
الشائعات شكّلت قلقاً كبيراً لدى الحكومات وأربكت جهودها في التصدي لهذا الفيروس، ما دفعها بالفعل إلى الالتفات لهذا الخطر الجسيم الذي شكّل تهديدا لأمنها.
وفي العراق غذّتِ الشائعات مخاوف الناس، وتحوّل موقع فيسبوك إلى منصة للتفاعل مع تلك الأخبار والفيديوهات المفبركة .
وقد وجدت أخبار تساقط الناس في الشوارع بفعل تفشٍ مزعوم للمرض وفيديوهات لأشخاص يتساقطون جراء الاصابة به تفاعلاً من الناس تسبَّب بموجة هلع. قبل أن ينجح مواطنون باكتشاف زيف تلك الفيديوهات التي لا تعدو كونها حالات لأشخاص تعاطوا الخمور لدرجة السكر والترنح في الشوارع.
وفي الواقع أنّ الجهود الفردية والمجتمعية التي تصدّت للشائعات، مثلت مؤشراً على مستوى الوعي وحسن التعامل مع الاخبار الزائفة.
كما نجحت جهود مجتمعية في التصدي لحملة من الشائعات المزيفة التي بثّها أناس لا يمتلكون أي خلفية علمية وأرغمتهم على التراجع.
تفعيل القانون العراقي
سفّه مدونون وناشرون أقاويل مضللة لا تتطابق مع مبادئ الشريعة والعلم، غير أن رجال قانون طالبوا بتفعيل القانون العراقي الذي يجرّم ترويج الشائعات، لا سيما تلك الشائعات التي تلحق ضرراً بالغاً بأمن الدولة والمجتمع.
وغطّت سحب كثيفة من الشائعات والمعلومات المغلوطة العابرة للحدود كما هو الفيروس مواقع التواصل، لعل من بينها تلك الأخبار التي تحدّثت عن أسباب هذا المرض أو طرق معالجته.
وفي الواقع لا يمكن التعامل مع سيل الشائعات جميعا على أنّها بريئة وتهدف إلى لفت الأنظار، بل ثمة شائعات منظمة تعمل على زعزعة الأمن والسلام المجتمعي، وهنا يظهر دور الأجهزة الأمنية في ملاحقتها والكشف عن مروجيها وأهدافها.
وشكل فيروس كورونا مكانا ملائما لنمو الخرافات وتفشيها على نطاق واسع، وراجت على مواقع التواصل اختراعات عجيبة وغريبة تزعم أنّها الحل الناجع للقضاء على المرض.

كذبة غاز السارين
ومع تصاعد الحرب الإعلامية بين عدد من الدول، عملت على استغلال تفشي الفيروس لصالح أجندات سياسية راجت كثيرا نظرية المؤمراة.
وحظيت رسالة مجهولة المصدر، تنص على أن في 5 أبريل الجاري سينتهي الحجر الصحي في جميع دول العالم، وأن فيروس كورونا ليس إلا وهم، بل هو غاز السارين الذي انتشر في العالم بعد تسريبه كتجربة في معمل بيولوجي بإحدى الدول، واستشهد صاحب الرسالة بعدة أحداث غير مترابطة.
وتقول الرواية التي تلاقفها الناس في مواقع التواصل أن 67 جنديا أميركيا أصيبوا بغاز السارين بمختبر في أفغانستان، تكتّمت عليه الولايات المتحدة وتم إرسال الجنود للصين للمشاركة في العرض العسكري ببلدة فيفري في يوهان لإبعاد شبهات وفاتهم عند العودة بسبب الغاز وأعلنت وفاتهم بسبب كذبة الفيروس. حتى لا تقع مطالبة السلطات الأميركية بالتعويضات فضلا عن الفضيحة.
وغاز السارين هو أحد المواد المستخدمة في الحرب الكيميائية، وهو غاز بشري الصنع، ولا يضر الجهاز التنفسي فحسب بل هو مادة تدمر الجهاز العصبي بأكمله، والسارين يكون في البداية سائلاً بلا لون أو رائحة، ويمكن أن يصبح غازاً حال تبخيره، وهو يشبه إلى حد كبير مبيدات الحشرات في طريقة عمله والأضرار التي يتسبب فيها.
والواقع أنّ أعراض التعرض لغاز السارين تختلف تماما عن أعراض الإصابة بفيروس كورونا التاجي (كوفيد-19)، فعند التعرُّض لغاز السارين يصيب الشخص من خلال الجلد، العين، التنفس، وكذلك الماء حيث يمكن خلطه لتسمم المياه، وكذلك الطعام الملوث، والملابس لمدة 30 دقيقة، وتظهر أعراض استنشاق السارين خلال دقائق حتى 18ساعة كحد أقصى من استنشاقه.
فرنسا وكورونا
أصاب الذعر ثلاثة أرباع سكان العالم الذين شاهدوا فيديو لمواطن فرنسي أفاد بأن كورونا المستجد قد تم إنشاؤه من قبل معهد باستور ونال براءة اختراع في العام 2004.
وعُدَّ هذا الفيديو أسرع شائعة تداولها متصفحو وسائل التواصل الاجتماعي، ما دفع وكالة “أ ف ب” إلى الإسراع للتأكيد على أن ما نشر خاطئ، وأن التقرير الذي يتم تداوله يتعلّق بنوع آخر من فيروس كورونا.
واستغل الشخص الذي تحدث في مقطع الفيديو وثيقة نشرت على الموقع الرسمي لمكتب البراءات الأوروبي، تتضمّن بحثا مفصلا عن سلالة جديدة من كورونا مرتبطة بمتلازمة الجهاز التنفسي الحادة (سارس).
وقطع الاتحاد الأوروبي ووسائل إعلام عالمية الطريق أمام هذه الشائعة الزائفة التي زعمت أن منشأ الفيروس الذي اكتشف في الصين، هو معهد باستور الفرنسي.
وعقب انتشار الفيديو أعلن المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للسیاسة الخارجیة والأمن، بیتر ستانو، أن الاتحاد أطلق موقعا إلكترونیا لمواجھة التضلیل المتعمّد بشأن الوباء.
ودفعت الخشية من تأثير الشائعات على أمن الدولة وسلامة المجتمع العديد من الدول إلى التصدي بقوة للشائعات.
وألقت السلطات السعودية والمصرية القبض على عدد من الأشخاص بتهمة الترويج لشائعات عن فيروس كورونا المستجد.
وقالت السلطات السعودية إنّها قبضت على أحد مروجي الشائعات على مواقع التواصل وإن النيابة طالبت بإنزال أقسى العقوبات بالمتهم.
اكتشاف علاجات ولكن؟
الذعر الذي خلّفه الفيروس والنتائج الوخيمة التي تركها على حياة الناس وصحتهم وعلى الاقتصاد العالمي، جعلت عيون سكان الكوكب تتعلّق بالأخبار المتفائلة التي تتحدّث عن اكتشاف لقاح أو علاج لهذا الفيروس.
وتزخر مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة بأخبار وشائعات تتعلّق بإجراء تجارب اختبار لبعض اللقاحات والعلاجات، أو اكتشاف عقاقير تستخدم لمواجهة أمراض أخرى.
البحث عن طوق النجاة دفع جهات مختلفة للإعلان عن التوصل لعلاج واذا جرى تجاوز سيل الخرافات الجارف الذي انتشر على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، فإنّ دولاً وشركات عالمية كبرى انحرطت في مشاريع للبحث عن لقاح لهذا الفيروس وقد تحدثت بواقعية عن أن الوصول إلى هدفها يحتاج إلى عام كامل في أحسن الأحوال.
شركة ” بايومادوا” والعلاج الوهمي
لكنّ العراقيين والعرب شاهدوا وتابعوا سباقا بين شركات محلية وعربية متواضعة الإمكانات بالقياس إلى الشركات العالمية ذات الخبرة الكبيرة في مضمار إنتاج الدواء، وهي تعلن الوصول إلى علاج للفيروس. “ولم تتحقق الشبكة من صدق هذه الادعاءات من عدمه، لكن منظمة الصحة العالمية أكدت أنها لم تعتمد أي دواء حتى الآن.
وأعلنت شركة محلية في السليمانية تدعى شركة “بايومادوا” في الثاني من آذار التوصل إلى علاج قالت إنّه حاسم لعلاج فايروس كورونا المستجد.
وقالت الشركة في بيان اطلعت”الشبكة العراقية” عليه: إنّ بإمكانها وضع الدواء في متناول يد المرضى بالعراق خلال فترة أسبوعين إذا حصلت على دعم المستثمرين.
وأشاعت الشركة صدمة متفائلة لم تدم طويلاً عندما أشارت إلى أنّها تبشّر العراقيين بأنّه لا داعي من الآن فصاعداً للقلق بشأن هذا الوباء العالمي، بعد عثورها على الدواء الجديد حسب قولها.
غير أنّ أي أخبار او تطورات بشأن هذا الدواء اختفت كما اختفى مقطع الفيديو الذي يتحدث فيه شخص عن هذا الاكتشاف.
الجزائر وتجارب البحث
وتزامن هذا الاعلان مع تأكيدات لباحثة جزائرية هي د.جوهرة سامعي بشأن نجاح فريق بحث طبي يتكوّن من جزائريين وعراقيين في التوصل إلى اكتشاف دواء يعالج المصابين بفيروس الكورونا القاتل.
وقالت د.جوهرة سامعي: قمنا بصفتنا باحثين من الجزائر بالتنسيق مع زملاء وأصدقاء باحثين من العراق بمباشرة تجارب بحثا عن علاج لهذا الفيروس وتوصّلنا إلى نتيجة إيجابية.
وعلى ما يبدو أنّ الحكومة الجزائرية والرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قدموا بالفعل دعما لهذا الفريق، لكنّ منظمة الصحة العالمية لم تجز أي علاج حتى الآن، ولم تتمكّن “الشبكة العراقية” من التأكد من صدقية هذه الاعلانات من عدمها.
مواجهة الشائعات
يقول الحقوقي علاء رزاق: إنّ التصدي للشائعات مسؤولية الجميع وليس أجهزة الأمن وحسب، مبينا أن ترويج الشائعات والأكاذيب عبر أي وسيلة لا سيما في مواقع التواصل الاجتماعي جريمة يعاقب عليها القانون .
ولفت إلى أنّ قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنة 1969 المعدل عدّ الشائعات الكاذبة من الجرائم الخطرة الماسّة بأمن الدولة وعاقب عليها، إذ نصّت المادة 179 الفقرة أولا منه على أن (يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على عشر سنين من أذاع عمدا في زمن الحرب أخبارا او بيانات او شائعات كاذبة او مغرضة او عمد إلى دعاية مثيرة وكان من شأن ذلك إلحاق الضرر بالاستعدادات الحربية للدفاع عن البلاد او بالعمليات الحربية للقوات المسلحة او إثارة الفزع بين الناس او إضعاف الروح المعنوية في الأمة(.
الشائعة والسجن المؤبّد
وتابع كما نصّت الفقرة الثانية (على أن تكون العقوبة السجن المؤقت اذا ارتكب الجريمة بنتيجة الاتصال مع دولة أجنبية، فإذا كانت هذه الدولة معادية كانت العقوبة السجن المؤبد) وفي المادة 180 من قانون العقوبات العراقي (يعاقب بالحبس كل مواطن أذاع عمدا في الخارج أخبارا او بيانات او شائعات كاذبة او مغرضة حول الاوضاع الداخلية للدولة وكان من شأن ذلك إضعاف الثقة المالية بالدولة او النيل من مركزها الدولي او باشر بأي طريقة كانت نشاطا من شأنه الإضرار بالمصالح الوطنية، وتكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات اذا وقعت الجريمة زمن الحرب) .
لكنّ الحقوقي علاء رزاق يعتقد أن الدولة التي تعتمد الشفافية في تداول المعلومات وعرضها أمام المجتمع لن تتعرض إلى هزات صادمة جراء الشائعات .
ودعا رزاق المواطنين إلى التدقيق في المعلومات التي يتلقونها وتقصي حقيقتها قبل تداولها او ترويجها دون قصد.
وقال إنّ الوعي الاجتماعي والثقافي كفيل بالقضاء على الشائعات وإن المسؤولية في التصدي للشائعات تقع على عاتق المفكرين والمثقفين وأجهزة الدولة المعنية بتلك الشائعة.
ويعتقد رزاق أنّ مروجي الشائعات إما مرتبطون بأجندات لها أهداف معينة من تسويق الشائعة أو هم أفراد يسعون من وراء الأخبار الزائفة للفت الانتباه، من خلال بث الهلع والرعب بينهم بشتى الوسائل.
وأوضح المحامي علاء رزاق أنّ العديد من الدول عملت على تشكيل أجهزة الكترونية لمكافحة الشائعات والتصدي لها لا سيما تلك الشائعات التي تهدف إلى بث المخاوف ومحاولة إضعاف الثقة بأجهزة الدولة ومؤسساتها.
التأثير النفسي للشائعات
من جهته دعا الدكتور حيدر حسن طارش الطبيب في دائرة المفتش العام بوزارة الصحّة المواطنين إلى عدم الانسياق خلف الشائعات التي تنتشر حول فيروس كورونا الجديد (كوفيد 19)، محذّراً من مخاطر تداول الشائعات المزيفة والتعامل معها على أنّها معلومات طبية.
ونصح طارش المواطنين بالحصول على المعلومة عن فيروس كورونا من مصادرها الرسمية، وليس من خلال وسائل ومواقع التواصل الاجتماعي.
وقال إنّ الأخبار المزيفة بشأن فيروس كورونا الجديد لها انعكاسات سلبية على الصحة النفسية للأفراد، معربا عن أسفه لحجم الشائعات التي غذّت المخاوف والهلع بين الناس، مبينا أنّ تلك المخاوف تؤدي إلى الاصابة بأمراض نفسية واضطرابات سلوكية ترفع مستوى القلق والاكتئاب وتؤدي إلى نوبات من الهلع وهذه كلها محبطات نفسية تضعف مقاومة الإنسان وتؤثر في صحته وحياته.
ودعا وسائل الإعلام إلى رفع الوعي النفسي لدى المجتمع لمواجهة فيروس كورونا الجديد عبر المزيد من البرامج التوعوية.
وشدّد أيضا على حاجة الملاكات الصحية إلى الدعم النفسي وتجنيبها الكم الهائل من الاخبار لا سيما تلك التي تتحدّث عن ارتفاع مستوى وفيات العاملين بالمستشفيات نتيجة إصابتهم بالفيروس.
وبين أنّه لا يمكن تجاهل حقيقة أنّ هذا الوباء المتفشي له تأثير وانعكاسات سلبية من الناحية النفسية على جميع الناس وبدرجات متفاوتة ولهذا ينبغي أن تنخرط أيضا وسائل الإعلام في مشاريع وخطط وبرامج تهدف إلى تعزيز الصحة النفسية والتصدي للشائعات وعدم التركيز على الأخبار السيئة وتجاهل الأخبار الإيجابية التي تدعم روح التفاؤل والأمل لدى الناس.

النسخة الألكترونية من العدد 357

“أون لآين -2-”