مليونا امرأة بلا معيل

آية منصورــ ذوالفقار يوسف /

تنامت أعداد الأرامل والمعوزات من العراقيات بسبب الحروب والوضع الاقتصادي والاجتماعي، وصارت المرأة العراقية هي أضعف فئة في المجتمع، لكونها محكومة من قبل الذكور بتنافسهم في عرقلة دورها في المجتمع، بالرغم من لعب دورها في توسيع تأثيرها في هذه البيئة الذكورية.
وحتى بعد صدور قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، الذي كان هدفه منح المرأة بعض الامتيازات أسوة بالرجل، حيث جعلت منها الأوضاع والظروف عاجزة لنيل العيش الكريم، وصارت العازبة والمطلقة والأرملة منهن، فريسة سهلة أمام الجوع والحرمان والاستغلال الجنسي والمتاجرة، وارتفاع نسبة الجرائم بحقهن من ابتزاز وخطف واغتصاب وتعنيف.
خط الفقر
بالرغم من تضارب التقارير العالمية في عددهن الفعلي، إلا أن الجميع يعرف أن نسب الأرامل والمطلقات أصبحت تتزايد بزيادة الحروب التي عاناها العراق منذ حرب ثمان سنوات وصولاً الى الحرب ضد الإرهاب المتمثل بداعش، فأعداد الشهداء من القوات الأمنية والحشد الشعبي تتزايد، إضافة الى الضحايا من المدنيين بسبب القتل والتفجيرات، ما جعل العديد من النساء بلا معيل، وأغلبهن من الأسر التي تتكون من أم واطفال، لذا صار من الضروري مواجهة هذه المشكلة الخطيرة على المجتمع العراقي.
تطل علينا من هذا الإطار الأستاذة (هنادي علي) مسؤولة المسح الديموغرافي والمتابعة في هيئة حماية المرأة التابعة للرعاية الاجتماعية، حيث تقول: “يتم المسح الديموغرافي سنوياً للمشمولات بالإعانة الشهرية، لمعرفة أحقية المشمولات بها، حيث كانت قبل ذلك على أساس الفئة وتشمل جميع الفئات النسوية مهما كانت أوضاعهن، ولكن بشرط أن تكون بدون معيل حتى وإن كانت حالتها المادية جيدة، ويتم ذلك من خلال تسجيلها هي وأطفالها في بيانات الوزارة، إلا أنه بعد إقرار القانون رقم (11) لعام 2016، أصبح الاستحقاق على أساس خط الفقر، وتم توجيه أكثر من مئة باحث اجتماعي يقومون بالكشف ومسح العوائل التي تستحق الإعانة الاجتماعية، ويتم طلبها عن طريق ملء الاستمارة للتعريف عن العائلة المحتاجة وأملاكهم، وللظروف التي يواجهونها، ومن ثم إرسال هذه الاستمارة الى وزارة التخطيط، بعدها يكون القرار بيد هذه الوزارة لتحديد مستوى استحقاق العائلة بتحديد مستوى خط الفقر، إلا أن الغريب في الأمر أن هناك ضعف عدد النساء من الرجال يتسلمون مبلغ الإعانة الشهري، ما جعل العجز في ميزانية الوزارة كبيراً جداً، وبذلك يتم أخذ مكان العديد من النساء المعوزات، حتى أن هناك سائقي سيارات أجرة يقومون بأخذ المبلغ الذي يقدر بـ(100) ألف دينارلكل امرأة ويخصص أيضاً مبلغ (50) ألفاً للطفلين الأول والثاني للمراة التي تكون بدون معيل، أما الطفل الثالث فيخصص له مبلغ شهري يبلغ (25) ألفاً، اما اذا تعدى الثلاثة أطفال، فالطفل الرابع فما فوق غير مشمولين بمبلغ الإعانة.”
تضيف الأستاذة هنادي بأن وزارة التخطيط لها الحق بتحديد العوائل المستحقة، وأيضاً بقطع الإعانة على من تعدى خط الفقر منهم، ورغم ذلك فإن العوائل التي قطع عنهم هذا المبلغ باستطاعاتهم طلب الاعتراض، حيث يتم بعدها إرسال باحث اجتماعي للكشف عن حالة الأسرة المعترضة لتحديد استحقاقهم او عدمه، بعدها يتم قبول اعتراضهم او رفضه بواسطة قاضٍ مختص، وكل ذلك يكون حسب البيان السنوي التي تقوم به الوزارة لكل عائلة تتسلم مبلغ الإعانة.
مليونا مطلقة وأرملة
عشرات السنين من حروب واحتلال ونزاعات وأعمال عنف جعلت الظروف تنعكس على الأسر العراقية، وبالتحديد المرأة لكونها معرضة للطلاق والتشرد واليتم، ومع انعدام السياسات الجادة في التعامل مع هذه الحالات بات بلدنا ينتظر هذه القنبلة الموقوتة التي بلغ حجمها أكثر من مليوني أرملة ومطلقة والعدد في تزايد مستمر، حسب إحصائيات وزارة التخطيط ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية.
أما المستفيدات من الرعاية والتمكين فيبلغ عديدهن مليوناً ومئتي ألف امرأة مستفيدة في جميع محافظات العراق عدا إقليم كردستان، إلا أن هناك فئات محددة بهذه الإعانة وهن الأرامل والمطلقات وغير المتزوجات فوق عمرالـ (35عاماً) والمعاقة والمهجورة وأيضاً زوجة المعتقل، حيث تقوم وزارتنا بعمل إعلانات في الشوارع لاستقطاب هذه الفئات، ولكي يتم تسجيلهن في مراكزنا الموزعة على كلا الجانبين من العاصمة من رصافة وكرخ.
الأستاذة (هيام كاظم عمران) مديرة قسم الحماية الاجتماعية تقول: “إن هناك العديد من الدورات والورش لتعليم المهن المجانية حسب رغبة النساء، كالخياطة والكوافير وصناعة المعجنات وتعليم الحاسوب، استطعنا من خلالها تدريب اكثر من(600) متدربة ولمدة سنتين.”
مشاريع وقروض
العديد من النساء لايكفيهن مبلغ الإعانة، فمئة ألف دينار لاتسد تكلفة النقل لمدة أسبوع فقط، لهذا طورت الوزارة نظام القروض والمشاريع، حتى تتمكن النساء العاجزات من الاعتناء بأنفسهن دون الاعتماد على مبلغ الإعانة القليل.
تحدثنا الأستاذة هيام من هذا الجانب وتقول: “هناك العديد من النساء التي يصعب عليهن العيش الكريم من خلال مبلغ الإعانة، ولايستطعن مد أيديهن للناس لطلب المساعدة، لهذا قمنا بتفعيل نظام المشاريع، فمنهن من تمتلك مشروعها الخاص والبعض الأخر يتم تزويدهن بمستلزمات مشروع بواسطة منظمات بالتعاون مع دائرتنا.”
تشير الأستاذة الى أن الوزارة تمنح القروض لافتتاح مشاريع للعاطلات عن العمل، حيث يتم التسديد بواسطة دفعات تبلغ (120) ألف دينار في كل شهر ولغاية خمس سنوات، وعند نجاح هذه المشاريع يتم قطع مبلغ الإعانة من خلال الكشف بواسطة باحث اجتماعي لحالة المستفيدة، أما اذا فشل المشروع فتتم إعادة مبلغ المساعدة.
شرطة مجتمعية
تلعب وزارة العمل والشؤون الاجتماعية دوراً مهماً في مجال تنمية المرأة وتوجيهها بشكل صحيح نحو المجتمع، فالعديد من النساء غير قادرات على مواكبة أوضاع الشارع الصعبة، تقول الأستاذة هيام: “إن الوزارة قامت بالعديد من المهرجانات والندوات ودورات التنمية البشرية، وذلك باستغلال العديد من أصحاب الشهادات والخبرات من خلال اختصاصهم بتعليم أكبر عدد من النساء، إضافة الى أن هناك من النفوس الضعيفة التي تحاول استغلال النساء العاجزات والمعدمات استغلالاً جنسياً، وحتى من تعنّف بواسطة زوجها او أقاربها، حيث يختص بهذا الجانب قسم الشرطة المجتمعية الذي يوجد في كل مركز شرطة للحد من المشاكل الاجتماعية والأسرية والابتزاز الجنسي وغيرها من المشاكل، وهناك قسم آخر يهتم بالمشاكل الأسرية يسمى برعاية الأسرة.”
أما بالنسبة للمشردات فتؤكد الأستاذة هيام “أن هناك مكاناً سرياً قمنا بتسميته بـ (الملاذ الآمن) يقوم باحتواء النساء المعنّفات والمهجورات والمتسولات ومن ليس لها مأوى، حيث نقوم من هذا المكان ايضاً بمحاولة معالجة مشاكلها وإيجاد فرص للتراضي مع ذويها او زوجها، او تبني بعض الفتيات اليتيمات اللاتي يسهل استغلالهن من قبل عديمي الشرف.”

مشاريع نسوية
وتؤكد (الدكتورة عطور حسين) لمجلة “الشبكة العراقية” أن الدائرة تعمل على تشجيع المرأة لتصبح طاقة بدلاً عن انتظار المعونات، بل تمكنها من المهارات اليدوية، كالخياطة والحلاقة وصناعة المنتجات الغذائية، والدائرة حريصة كل الحرص على خدمة النساء ودعمهن حتى اعتمادهن على أنفسهن.
وتضيف: “ليس لدينا تخصيص مالي، فحاولنا إيجاد البديل من خلال منظمات المجتمع المدني، الدولية منها والمحلية، والتبرع للدائرة، وبدأت تلك المنظمات بالوصول الينا بعد اعتمادنا خط الفقر في قاعدة بياناتنا.
كما طرحت اللجنة الدويلة للصليب الأحمر، افكاراً للتدريب وذلك من خلال منح مشاريع للنساء، بمعدل وجبتين، حيث قدمت كل وجبة 30 امرأة قاموا بتدريبهن على كتابة المشاريع وتحوليها لأرض الواقع، ما غيّر من واقعهن المعيشي نحو الأفضل.
إن التمكين الاقتصادي يحمي النساء من الاستغلال، لأني أجزم، أنه نادراً ما تتم مساعدة الأرملة والمطلقة دون مقابل، او حماية ومساعدة أطفالها من العمالة المبكرة وزجهم في المدارس من أجل مستقبل أفضل لهم.”

لا تتركها وحيدة
كما وعملت دائرة المرأة جاهدة على تقديم الدعم النفسي مع صندوق الأمم المتحدة للسكان، وهذا العمل استمر لفترات طويلة منذ عام 2015 بعد أحداث داعش، ليبدأ التواصل الحقيقي مع الفئات الضعيفة والمعرضة للعنف، وذلك بتعزيز القدرة والثقة بالنفس، وحل المشاكل، والتثقيف والتوعية بجميع انواعها، صحياً، وتربوياً، وكل ما يتعلق بسوء التغذية وعواقبها، إضافة للإسعافات الأولية، حيث يمكن للنساء إيجاد هذه الأقسام في جميع المحافظات، والأهم في نينوى، نظراً لإجرام داعش في الوقت السابق وما واجهته المرأة الموصلية من ظلم في تلك الفترة.
قمنا بافتتاح عدد من الغرف للاستماع، بـ 13 قسماً، ونسعى لإكمال العدد المتبقي من هذه الغرف، لأن النساء بدأن بالاستجابة والتأهل والشعور بأنهن لسن وحيدات، فهنالك من يدعمهن ويحقق النجاح معهن في ميدان الحياة.

من أرملة ضعيفة الى صاحبة مشروع
إحدى رائدات هذه الدائرة هي أرملة وأم لخمسة أيتام، كانت قد قدمت للوزارة بعد وفاة زوجها بعدة أسابيع، ترتدي السواد من رأسها حتى أخمص قدميها، ولم يكن التخصص او الشمول بمنح الراتب قد افتتح لتحصله، حيث تم جمع التبرعات لها، إضافة للدعم النفسي، وبعد عدة زيارات لها، حضرت تلك السيدة، وبيدها العديد من المنتجات الغذائية اللذيذة، قامت بصنعها بنفسها، وبيعها للموظفين العاملين في الدائرة، ما فتح لها المجال للحصول على مورد مالي دون الحاجة لانتظار الراتب الشهري، وشيئاً فشيئاً، بدأت السيدة ببيع منتجاتها في جميع الأماكن، واسترداد عافيتها وقوتها.
ترعى دائرة المرأة أكثر من 440 ألف أمراة معيلات للأسرة، أي بمعنى أن جميع هؤلاء النسوة في جميع محافظات العراق، باستثناء كردستان، حيث اصبحت دائرتنا ملجأ تلجأ اليه النساء عند الشدائد, اضافة لعملها هذا، تعمل الدائرة على خلق الأجواء المناسبة للنسوة وأطفالهن، وذلك من خلال البرامج الترفيهية، والسفرات للأيتام الى المتنزهات، وتوزيع الثياب في المناسبات والأعياد.

التحديد
فيما ترى السيدة (رجاء علي)، وهي مسؤولة شبعة التقارير والبحوث، أن القانون القديم للدائرة كان فئوياً، أي بمعنى تقديم الدعم المادي لكل امرأة فقدت زوجها، لكن القانون الجديد قام بتحديد مستوى خط الفقر لتقديم المعونة.
وتضيف: من ضمن مهام عملنا الوصول للمتبرعين، وذلك عن طريق الأصدقاء والمعارف، لأن الراتب الممنوح من الدائرة لا يكفي، وهو 100 ألف دينار فقط، لكنه يصبح 225 ألف دينار في حال كانت الأرملة تملك 3 أطفال او أكثر.

للنازحات حصتهن
كما أن أغلب هؤلاء النسوة يعشن في منازل شبه مهجورة وآيلة للسقوط، مع وجود حالات مرضية لهن او لأطفالهن ما تضطرهن الحاجة لمبالغ اكثر، يسدها دائماً المتبرعون. كما ساهمت الدائرة بالتعاون مع رعاية ذوي الشهداء، كجزء من عملهم الطوعي، بجمع التبرعات لعوائل الشهداء والنازحات القادمات من المدن المحتلة.
قمنا كذلك بإجراء تسهيلات كبيرة للنساء النازحات، وذلك بعمل إضبارة جديدة، تمكنهن من الحصول على مرتباتهن في مكان نزوحهن الجديد بدلاً عن مدنهن، كما قمنا بتوفير غرف الدعم النفسي لهن للتخفيف عما لحقهن من اذى روحي نتيجة الحروب وخسارة الأهل.
وبالحديث عن التبرعات، فهي تشمل التبرع العيني وليس المادي فقط، وذلك من خلال توزيع السلات الغذائية، والملابس والأجهزة الكهربائية، حسب المواسم، ويتم الاختيار حسب الأكثر حاجة والأكثر فقراً.