
كان يُعدّ ضرباً من الخيال تجميد الضوء.. إنجاز علمي مثير
إعداد وترجمة: أحمد المولى
حقق العلماء في إيطاليا تقدمًا مذهلًا في فهم طبيعة الضوء، إذ تمكنوا من (تجميد) الضوء أو إبطائه بشكل ملحوظ. ولهذا الابتكار تطبيقات مستقبلية مثيرة في مجالات متعددة.
لطالما كان الضوء موضوعًا للبحث والدراسة. لكن مؤخرًا نجح فريق من العلماء الإيطاليين في (تجميد الضوء) عن طريق إنشاء حالة نادرة من المادة يتصرف فيها الضوء مثل المادة السائلة والصلبة في الوقت نفسه. وهو ابتكار سيسهم في تطوير العلوم الأساسية ويحمل نتائج عميقة على مستقبل التقنيات الكمومية، بما في ذلك التطبيقات المحتملة في الحوسبة العصبية والأجهزة الضوئية المتقدمة.
المحاولات الأولى
بدأت المحاولات الأولى مع لينا هاو، Lene Hau وهي عالمة فيزياء دنماركية رائدة أسهمت إسهاماً كبير في فهمنا للضوء وتطبيقاته، ومن بين مساهماتها إبطاء الضوء.
وقد أجرت العالمة (هاو) تجارب مبتكرة تمكنت فيها من إبطاء سرعة الضوء إلى حد كبير. في عام 1999، نجحت وفريقها في جامعة هارفارد في إبطاء سرعة الضوء إلى نحو 17 مترًا في الثانية باستخدام تكاثف بوز- أينشتاين.
وتكاثف بوز- أينشتاين هو حالة للمادة تحدث عندما يجري تبريد غاز إلى درجة حرارة قريبة جدًا من الصفر المطلق. وحينها تتوقف الذرات عن التحرك بشكل مستقل وتتجمع في حالة كمومية واحدة.
وفي عام 2001، تمكنت (هاو)من تحقيق إنجاز أكبر يتمثل في إيقاف شعاع الضوء تمامًا. وعملت هاو على الربط بين الأنظمة الذرية الشديدة البرودة والمقاييس النانومترية. وإضافًة إلى أبحاثها، كانت هاو تدرِّس الفيزياء العامة والفيزياء التطبيقية وعلوم الطاقة في جامعة هارفارد.
تجميد الضوء
إن البحث الرائد، مدار حديثنا هنا، المنشور في مجلة Nature، يمثل جهداً تعاونياً ضم مركز بحوث النانو في (ليتشي) بإيطاليا وجامعة بافيا، ومؤسسات دولية، منها جامعة برينستون، ومختبر لورانس بيركلي الوطني، وجامعة إنسبروك.
عند الحديث عن تجميد الضوء، لا نقصد بالضرورة أن الضوء يصبح جليديًا أو صلبًا، كما نفهمه في حالة المواد المادية. بل يعني ذلك تقليل سرعة الضوء بشكل كبير، ما يسمح بإبطاء نبضاته الضوئية، أو حتى تخزينها لفترات زمنية. هذه العملية تعتمد على استخدام غازات ذات درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق، ما يخلق بيئة مثالية لتفاعل الضوء مع الجزيئات.
يمثل تجميد الضوء تحديًا كبيرًا للفهم التقليدي لظاهرة الضوء. فحتى الآن، كان يُعتقد أن سرعة الضوء ثابتة في الفراغ، لكن هذه الاكتشافات تدل على وجود طرق جديدة للتلاعب بالضوء. هذا الإجراء يمكن أن يفتح مجالات بحثية جديدة في علوم البصريات والفيزياء النظرية.
تبدأ العملية بإمرار نبضات ضوئية عبر سحب متناهية من الغازات، مثل السحب التي تتكون من ذرات أو جزيئات معينة. عند درجات حرارة منخفضة جداً، تتباطأ الحركة الحرارية للجزيئات، ما يؤدي إلى زيادة تفاعل الضوء مع هذه الجزيئات. النتائج مثيرة، إذ يمكن (احتجاز) الضوء في هذه الغازات لفترات معينة، ما يعني أن العلماء يمكنهم إعادة إرسال هذه النبضات الضوئية لاحقًا.
تطبيقات مستقبلية
تعتبر هذه التقنية مفيدة في العديد من التطبيقات المستقبلية. على سبيل المثال، في مجال الاتصالات الكمومية، يمكن استخدام الضوء المتباطئ لتطوير أنظمة اتصال أكثر أمانًا وسرعة. إضافة الى أن تخزين المعلومات الضوئية يمكن أن يسهم في تحسين تقنيات الحوسبة الكمومية، التي تعد بمثابة ثورة في عالم المعلومات.
وعلى سبيل المثال، من المجالات التي سيطورها هذا الإنجاز الحواسيب الكمومية التي تعمل أفضل وأسرع بأضعاف مضاعفة من الحواسيب العادية. وتصميم أنواع جديدة من الموصلات الفائقة القادرة على نقل الكهرباء بكفاءة من دون ضياع للطاقة. كما سيسهم الاكتشاف في صناعة مواد تشحيم تعمل من دون احتكاك، الأمر الذي يغير من صناعة الماكينات والمحركات في السيارات والطائرات. إضافة إلى التقنيات البصرية، وتطوير مواد جديدة بخصائص فريدة.
إن القدرة على تجميد الضوء ليست مجرد إنجاز تقني، بل تمثل خطوة كبيرة نحو فهم أعمق لطبيعة الضوء والكون. وسيؤدي تواصل الأبحاث في هذا المجال إلى اكتشافات جديدة ومثيرة.