لماذا غابت شخصية الأم عن الدراما العراقية؟

محسن العكيلي
لأن الدراما العراقية كانت، ومازالت، تهتم بقضايا المجتمع، لذلك نجدها تطرح قضايا مختلفة عن شرائحه، ومنها قصص الأمومة، حتى أنها خصصت أعمالاً كاملة تحاكي واقع الأمهات ومعاناتهن. لكن، وبالرغم من هذا التوجه، إلا أننا نجد أن دور الأم لم يظهر بصورته اللائقة.

استمر دور الأم، باعتبارها شخصية هامشية، بعيداً عن التأثير على الحبكة الدرامية. سوى في بعض الأعمال، مثل دور الفنانة عواطف السلمان في مسلسلي (سيدة الرجال وأمطار النار)، ودور الفنانة فوزية عارف في مسلسل (عالم الست وهيب)، ودور الفنانة آسيا كمال في مسلسل (رازقية).
أكثر من 20 عملاً قدمت من على شاشات الفضائيات العراقية في رمضان، لم يتطرق أي عمل إلى الأم وكفاحها في مواجهة الظروف الصعبة التي مرت على البلد، باستثناء مسلسل (الأم طليعة)، الذي بث من على شاشة الفضائية العراقية.
بطولة ذكورية
غالباً ما يكون دور الأم في الدراما ضعيفاً وغائباً، وكلنا نتذكر دور الفنانة سهام السبتي، التي تعتبر من أهم الأسماء التي قدمت هذه الشخصية، فضلاً عن أدوار أخرى، كدور الفنانة فاطمة الربيعي في مسلسلات عدة، منها (الذئب وعيون المدينة)، والفنانة سعدية الزيدي في مسلسل (الأماني الضالة)، وأسماء أخرى، عن هذا الغياب، تحدثت الدكتورة عواطف نعيم قائلةً:
“بالنسبة لوجود دور الأم في الدراما العراقية، فأنا أشاطرك الرأي في أن وجود الأم، أو المرأة، ودورها في فعلها الإنساني والاجتماعي محدود في الدراما العراقية، إلا في بعض الأعمال الريفية، وهي أيضاً محدودة، فأغلب الأدوار المهمة والمحركة للفعل الدرامي ودائرة الصراع في العمل الدرامي التلفازي هي ذكورية، والمرأة مكمل بوجودها فيه، فليس هناك مسلسل قائم على بطولة المرأة / الأم، إلا في بعض الأعمال، مثل مسلسل (القلب في مكان آخر) للمخرج الراحل حسين التكريتي والكاتب الراحل عبد الباري العبودي، ومسلسل (وينك يا جسر) للراحل فاروق محمد، ومسلسل (رازقية) للكاتب باسل الشبيب.” مشيرةً إلى قلة الأعمال التي تنهض بها امرأة، سواء كانت أماً أو زوجة أو حبيبة، وأن هذا -بحسبها- ينطبق أيضاً على الدراما السينمائية، عكس المسرح الذي يقوم في الكثير من نصوصه على حضور المرأة وقيادتها للأحداث، سواء كانت النصوص من المسرح الكلاسيكي أو المعاصر، والأمثلة لدينا كثيرة.
مزاج المنتجين
أما الكاتب نهار حسب الله، فرأى أن الشخصية النسوية العراقية زاخرة بالعطاء والتضحية على اختلاف الأزمنة، وتستحق أن نسلط عليها الضوء درامياً. مضيفاً: “لكن الصناعة الدرامية صناعة معقدة تتداخل فيها الأدوار والمهام أحياناً، صحيح أن للمؤلف دوراً فاعلاً في تناول موضوعاته، ولكن غالباً ما يحتكم المؤلف إلى مزاج الجهة المنتجة، ورغبتها في تناول موضوع معين دون غيره، وهو الأمر الذي يضع المؤلف في زاوية معينة، ويحد من أفكاره إلى حد ما.” موضحاً أن للأم العراقية مواقف إنسانية وأخلاقية وتربوية وكفاحية تستفز المؤلف وتدعوه للكتابة الإبداعية، لكن المسألة مرتبطة كلياً بتسويق النص. وأضاف (حسب الله): “أكتب حالياً نصاً تلفزيونياً جديداً يحمل عنوان (ولد الخايبة)، يتناول بطولة مطلقة لأم عراقية، على أمل أن نتمكن من تسويقه قريباً.”
قوالبٌ متعددة
وعن خشية الفنانات من تقمص شخصية الأم، تحدثت الفنانة زهور علاء قائلة: “بالعكس، أنا لا أخشى مثل هذه الأدوار، لأني أم في الأساس، والشخصيات التي يجسدها الفنان هي التي تحكم في ذلك، كذلك الجمهور هو من يفعل، القوالب متعددة، فتارة ترى الفنان والفنانة في دور الحبيب أو الحبيبة، وتارة أخرى تراهما في دور الأخ والأخت، ودور الأم هو قالب من هذه القوالب، ولا يمكن للفنان أن يحبس نفسه داخل قالب واحد طوال مسيرته الفنية.” مبينةً أنها جسدت دور الأم في أكثر من عمل، مضيفةً: “لكن الأعمال الحالية ربما لم تعالج هذه الحالة، لذلك غابت الأم، أو دورها، عن الكثير من الأعمال المنتجة.”
وهنا لابد لنا من الإشارة إلى أن هناك تقصيراً حقيقياً من قبل كتّاب الدراما، خاصة في رسمهم لشخصية الأم، لأننا جميعاً بحاجة إلى تسليط الضوء على دورها البطولي الذي يكاد يختفي من الخريطة الفنية، وهذا من متطلبات المشاهد الذي يتمنى أن يكون وجودها أعمق وأشمل في الدراما.