في ورشة لمركز النهرين.. العنف ضدّ الأطفال.. جريمة صامتة!

ميساء فاضل

تخيّلوا، العنف الوحيد المنفلت، الذي لا يعرف حدوداً للثقافة أو للطبقة أو للتعليم، هو العنف ضدّ الأطفال، الذي قد يحدث في المؤسسات، وفي المدارس، وفي المنزل، ويعتبر واقعاً اجتماعياً ملموساً في كثير من المجتمعات، وقد تاخذ تمظهراته المؤذية اشكالاً مختلفة، قد تكون جسدية تُلحق الأذى بجسم الطفل، باستخدام اليد أو بوسائل أخرى تسبب الكسور والحروق، وقد يصل الأمر إلى الاعتداء الجنسي والقتل.

يقابل هذه التمظهرات نمط سلوكي نفسي عنيف وناعم يتصف بإهمال الأهل والمدرسة في إشباع الاحتياجات النفسية للطفل.
جميع هذه الممارسات تنتج بالنهاية آثاراً سلبية عميقة تدمر حياة الطفل، وتصيبه بأمراض مثل القلق والاكتئاب والعدوانية والغضب، فضلاً عن دفعه للهروب من البيت، والتغيب عن المدرسة، وبالتالي تقوده إلى ممارسات خاطئة، كالتدخين، وتناول الكحول والمخدرات، وقد تؤدي في حالات أخرى إلى الانتحار.
مكافحة العنف
عن هذه الظاهرة، كان اللواء عدنان حمود سلمان، مدير حماية الأسرة والطفل من العنف الأسري، أول المتحدثين لـ “الشبكة العراقية”، التي زارت مركز النهرين للدراسات الستراتيجية، إذ عدّ (سلمان) وزارة الداخلية من الدوائر التي تعمل على مكافحة العنف ضد الأسرة عموماً، والعنف ضد المرأة والطفل خصوصاً. موضحاً وجود لجان ومفارز في وزارة الداخلية، منتشرة في محافظات العراق كافة، تتجول في المناطق التي تشهد عنفاً ضد الأطفال، لنشر التوعية والحد منه، من خلال تنبيه العوائل لأضرار العنف ونتائجه، وما يخلفه من نتائج كارثية على مستقبل الطفل والعائلة. مضيفاً: “خلال حضورنا مؤتمر ليون في فرنسا، وجدنا هناك تسجيل حالات تحرش جنسي ضد الأطفال عبر الإنترنت في العراق، ما دفعنا لعمل اتفاقية مع الشرطة الدولية في ليون لتأسيس شعبة داخل مقر حماية الأسرة والطفل في العراق، عبر مجموعة من الضباط الأكفاء، لربط (لينكات) معهم، بعد استحصال موافقة السيد وزير الداخلية بتأسيس هذه الشعبة، من أجل رفدنا بمعلومات كاملة عن المتحرشين جنسياً ضد الأطفال، وقد وصلنا إلى مراحل متقدمة في المشروع.” مبيّناً: “وإذا اكتمل سوف يحد بصورة كبيرة من العنف والتحرش ضد الأطفال.”
وسائل وقائية
أما الدكتور مصطفى الغراوي، المختص بعلم النفس، الخبير في مركز النهرين، فقد أوضح في حديثه أن “الحد من العنف ضد الأطفال يتطلب جهودًا متكاملة، تشمل الأسرة والمدرسة والمجتمع، وتوعية الآباء بأساليب التربية الإيجابية.” عاداً إياها من أهم الوسائل الوقائية، مشيراً إلى أن تفعيل القوانين التي تحمي حقوق الطفل وتشديد العقوبات على المعتدين يساعدان في تقليل انتشار هذه الظاهرة، ما يسهم في خلق جيل قادر على بناء مجتمع أكثر استقراراً وأماناً.”
عوائق وتحديات
من جانبها، الدكتورة ابتهال سعد القيسي، معاونة مدير مديرية الحوار الفكري لشؤون المرأة والطفل، وعضوة لجنة الحوار المجتمعي في مكتب رئيس الوزراء، عدّت العنف ضد الأطفال من أخطر التحديات الاجتماعية التي تواجه المجتمعات الحديثة، إذ إنه يترك آثاراً نفسية وجسدية عميقة تمتد إلى مراحل متقدمة من حياتهم. مضيفةً: “على الرغم من الجهود المبذولة للحد منها، إلا أن الظاهرة لا تزال قائمة، وتتخذ أشكالاً متعددة تتطلب حلولاً شاملة وجذرية لمواجهتها.” مشيرةً إلى “ضرورة تبني حلول متكاملة، تشمل الجوانب القانونية التوعوية والاجتماعية، أبرزها تعزيز الوعي الأسري والتربوي، من خلال برامج تثقيفية وإعلامية، وسنّ وتطبيق قوانين صارمة، ووضع تشريعات تحمي الأطفال من جميع أشكال العنف، وضمان تنفيذها بفعالية، وتوفير الدعم النفسي للأطفال المعنفين، من خلال مراكز استشارية متخصصة، تقدم العلاج النفسي والاجتماعي للضحايا، وإشراك المؤسسات التعليمية وتدريب المعلمين على اكتشاف حالات العنف والتعامل معها، فضلاً عن توفيربيئة مدرسية آمنة.” مضيفةً: “ولا ننسى تعزيز دور الإعلام في إنتاج محتوى توعوي يعزز ثقافة اللاعنف، ويشجع على التعامل الإيجابي مع الأطفال، ومراقبة المحتوى الرقمي، والحد من تأثير العنف الإلكتروني عبر سياسات صارمة لمراقبة المحتوى وتوعية الأطفال بمخاطره.” لافتةً إلى أن محاولة القضاء على العنف ضد الأطفال ليست مسؤولية فردية، بل إنها تتطلب تضافر جهود المجتمع بمختلف مؤسساته، من الأسرة إلى المدرسة إلى الدولة، وإن الاستثمار في حماية الأطفال وضمان حقوقهم، استثمار في مستقبل أكثر أماناً واستقراراً للجميع.
معالجون مختصون
في حين قالت الدكتورة فاطمة عبد الجبار، المختصة بعلم النفس السريري، في معهد البحوث والدراسات الستراتيجية، التابع لهيئة الحشد الشعبي: “تسهم وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، والمواقع الإلكترونية، في انتشار هذه الظاهرة، تعنيف الأطفال. يأتي هذا مع غياب برامج إعلامية حقيقية، تسلط الضوء على الظاهرة، وإمكانية العمل على معالجتها وفق ما يناسبها.” مشددةً على ضرورة وجود معالجين من تخصص علم النفس السريري، الذي يركزعلى دراسة وتشخيص وعلاج المشكلات النفسية. لافتةً إلى أن بعض الآباء ينظرون إلى أطفالهم وكأنهم قطع أثاث يملكونها، ويظنون أن لهم الحق في معاملتهم كما يشاؤون، دون معايير أخلاقية أو شرعية، وحتى قانونية، ناهيك عن التعامل الإنساني. موضحةً أن “التعنيف لا يشمل فقط الجانب المادي، بل الجانب معنوي أيضاً، مثل الكلمات الجارحة والسخرية والتنمر والانتقاص ورفع الصوت بوجه الطفل وتخويفه، ما يترك آثاراً كبيرة في نفسيته.”