إعداد وترجمة: أحمد الهاشم
يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي صار ساحة صراع رئيسة بين عمالقة التكنولوجيا داخل البلد الواحد، وخارج البلدان أيضاً، كما الحال بين الصين والولايات المتحدة، ومن المتوقع أن يستمر هذا الصراع في التزايد في غضون السنوات المقبلة.
يتأتى هذا الصراع من كون الذكاء الاصطناعي يُعدّ من أهم التقنيات التي ستشكل مستقبل العالم، وتسعى الشركات الكبرى إلى السيطرة على هذا المجال. فما المجالات التي تتصارع بشأنها الشركات العملاقة في مجال التكنولوجيا؟
تنافس وصراع
تتنافس الشركات على تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مثل التعلم الآلي ومعالجة اللغة الطبيعية، بهدف تحقيق التفوق في مختلف المجالات. كما تتنافس على جذب أفضل المواهب في مجال الذكاء الاصطناعي، إذ يُعدّ الخبراء في هذا المجال من أثمن الموارد البشرية.
وهناك مجال البيانات، الذي تسعى الشركات فيه إلى جمع أكبر قدر ممكن من البيانات لتدريب نماذجها وتحسين أدائها، وثمة المجال العسكري والسيارات الذاتية القيادة والمساعِد الصوتي والروبوتات الذكية.
أمثلة واقعية
تُعدّ شركة (إنفيديا) رائدة في إنتاج شرائح الذكاء الاصطناعي المتطورة، وهناك تنافس شديد بينها وبين شركات أخرى مثل(AMD) و(إنتل) لتطوير شرائح أكثر قوة وكفاءة. ويؤثر هذا التنافس مباشرةً على قدرة الشركات الأخرى على تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وتشهد الساحة التقنية سباقًا محمومًا بين الشركات لتطوير نماذج لغوية كبيرة قادرة على فهم وإنتاج اللغة الطبيعية فهماً متقدماً. فشركات مثل (جوجل) و(مايكروسوفت) و(ميتا) تتنافس أشد التنافس في هذا المجال، وتسعى كل شركة إلى تقديم نموذج لغوي يتفوق على نماذج الشركات الأخرى. ودخلت الصين بنموذجها (ديب سيك) في هذا الميدان.
وبخصوص التنافس لجذب أفضل المواهب، تقدم الشركات رواتب ومزايا مغرية لجذب الخبراء، وتستثمر بكثافة في البحث والتطوير لجذب العقول المبدعة.
قيود صينية وأميركية
تتجه الولايات المتحدة والصين إلى فرض قيود لمنع تصدير التقنيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً فيما يتعلق بالرقائق الإلكترونية.
وفقًا لتقارير إعلامية، أصدرت السلطات الصينية توجيهات لكبار رواد الأعمال والباحثين في مجال الذكاء الاصطناعي بتجنب زيارة الولايات المتحدة. وتعكس هذه التحذيرات توترات تكنولوجية وسياسية، فالصين تعدّ الذكاء الاصطناعي مجالًا ذا أولوية ستراتيجية واقتصادية وأمنية وطنية.
وتخشى بكين من أن زيارات الباحثين والخبراء إلى الولايات المتحدة قد تؤدي إلى تسريب التكنولوجيا الحساسة أو استقطاب المواهب الصينية من قبل الشركات الأميركية. وهناك مخاوف من أن الولايات المتحدة قد تستخدم زيارات الباحثين والخبراء الصينيين لجمع معلومات استخبارية، أو للتأثير على التكنولوجيا الصينية، وثمة تخوف صيني من هجرة الأدمغة الصينية إلى الولايات المتحدة.
وثمة أمثلة على مسؤولين في شركات صينية قاموا بإلغاء زيارات إلى الولايات المتحدة. وهناك أيضاً من رفض دعوات لحضور مؤتمرات قمة للذكاء الاصطناعي خارج الصين. وتعكس هذه التحذيرات عمق التوترات التكنولوجية بين الصين والولايات المتحدة، وتؤكد على أهمية الذكاء الاصطناعي في الصراع الجيوسياسي الحالي.
صراعات داخلية
يسعى عمالقة التكنولوجيا داخل البلد الواحد إلى توسيع نفوذهم وسيطرتهم على الأسواق، ما يؤدي إلى صراعات وتنافسات حادة. تتجسد هذه الصراعات في محاولات الشركات للتأثير على السياسات الحكومية والقوانين، بهدف حماية مصالحها وتقويض منافسيها. مثال على ذلك، محاولات (مارك زوكربيرغ) لدفع إدارة ترامب نحو حظر تيك توك لدعم منصاته الخاصة.
مكافحة الاحتكار
على الرغم من التعاون الظاهري بين بعض الشركات، إلا أن مصالحها غالباً ما تكون متضاربة. وقد يتطلب ذلك اتخاذ إجراءات تتعارض مع مصالح الشركات الأخرى. مثال على ذلك، حاجة شركة (أبل) إلى استثناءات جمركية للحفاظ على تصنيعها في الصين، وهو ما يتعارض مع رغبة بعض الشركات الأخرى في تقليل الاعتماد على الصين.
يتجلى صراع النفوذ بين الشركات في محاولات بعض المستثمرين في قطاع التكنولوجيا تفكيك الشركات المنافسة. مثال على ذلك، طموح (أندريسن)، المستثمر في قطاع التكنولوجيا، لتفكيك شركة غوغل.
تواجه بعض شركات التكنولوجيا الكبرى التحقيقات التي تجريها بعض الحكومات والجهات بشأن مكافحة الاحتكار. وتهدف هذه التحقيقات إلى منع الشركات من استغلال قوتها السوقية للإضرار بالمنافسة والمستهلكين.
تُعدّ قضية تصادم المصالح قضية معقدة ومستمرة، ومن المرجح أن تستمر في التأثير على قطاع التكنولوجيا والاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة.