حكمٌ غيابيٌّ آخر!

183

نرمين المفتي  /

قرأت في موقع هيئة النزاهة خبراً عن إصدار حكم غيابي بحق موظفتين في تربية ديالى مدانتين باختلاس ستة مليارات ونصف المليار دينار، والحكم هو سجن لمدة عشر سنوات وأمر بإلقاء القبض عليهما وإعادة الأموال المختلسة! من سيلقي القبض عليهما وأين، وكررت سؤالي لماذا الانتظار في قضايا الفساد حتى يهرب المتهم ليصدر الحكم عليه غيابياً؟ ووجدت بعض الجواب في ما قاله صديق إعلامي كان يعمل في هيئة النزاهة، أعتذر عن ذكر اسمه لأنني لم أستأذنه في نشر إشارته ونحن نتحدث عن الفساد وكيفية مواجهته، قال إن القرار ٥٥ الذي وقعه بريمر في ٢٠٠٣ كان قد منح سلطات كاملة لهيئة النزاهة ومن بينها حق توقيف المتهمين بالفساد، هذا الحق الذي سُلب من الهيئة بعد تعديل قانونها، وأضاف أنه كان طرفاً في كثير من اللقاءات والندوات لإصدار قرار أو قانون من مجلس النواب يستثني فيه المتهمين بالفساد من الإجراءات القانونية الواردة في قانون العقوبات التي تعمل المحاكم بموجبها، ولم يصدر هذا الاستثناء رغم التوصيات الكثيرة، لا من هيئة النزاهة فقط بل من الأمم المتحدة والبرلمان الأوروبي أيضاً.. إذن واستناداً إلى قانون العقوبات النافذ وبالاستعانة بمحامٍ (شاطر) يستطيع المتهم مغادرة التوقيف بكفالة ليخطط للاختباء أو الهروب من محل سكناه الى جهة مجهولة وربما يتمكن من مغادرة العراق..
وعودة إلى الحكم الغيابي على المتهمتين في ٣ آب ٢٠٢١، فالأولى كانت تشغل منصب وكيل مدير الشؤون المالية (الحسابات) في مديرية تربية ديالى وأقدمت على اختلاس مبالغ المكافآت التقاعدية لموظفي المديرية وبينت التحقيقات قيامها “باستغلال منصبها وتنظيم الخلاصات بصورة متكررة وإدراج بيانات المتقاعدين بشكل مكرر بغية تكرار الصرف” فضلاً عن قيامها بالصرف لأسماء وهمية وكل هذه المبالغ حولت الى حسابها الشخصي، واتهمت المدانة الثانية بالتقصير وكانت عضو لجنة صرف المكافآت التقاعدية لمخالفتها القانون وإلحاقها عمداً الضرر بالقانون العام.. عشرات الأسئلة أفكر فيها رغماً عني، منها مثلاً؛ في قاعدة البيانات المحفوظة في حاسبات هيئة التقاعد العامة أسماء موظفي القطاع العام كافة ولا يتم صرف مكافأة نهاية الخدمة إلا بتعزيز من وزارة المالية، ويتم التحقيق بكل تفاصيل معاملة التقاعد، فكيف تمكنت المدانة الأولى من تمرير كل هذه المبالغ سواء بتكرار المعاملة أم بالأسماء الوهمية؟ واكتشفت أثناء اتصال هاتفي بالهيئة أن المكافآت المقصودة، ليست الخاصة بنهاية الخدمة، بل الخاصة بالإجازات المتراكمة، أي التي تدفعها دائرة المتقاعد، وكونها وكيل المدير، فقد كانت تملك حق التوقيع على المعاملات، أي إنها توقّع بالاتفاق مع المدانة الثانية وتعود وتستلم المكافآت! ويبدو أن توقيعها كان كافياً لموافقة المدير العام والتدقيق..
على أية حال، نتفق جميعاً أن الفساد إرهاب داخلي لابد من مواجهته، وشخصياً أتساءل من أين يأتي الفاسد بجرأته لينهب ويسرق من قوت الشعب غير مبالٍ بسمعته وإطعام أهل بيته المال الحرام، فكيف اذا كان الفاسد (امرأة)؟