ديمقراطية العنب الأسوَد

26

رئيس التحرير
سرمد عباس الحسيني/
• حسناً.. لن تعمل هنا بعد الآن.. نحن نقيلك.
– تــــقيــــــلونـــــــــي.. لمـــــاذا ؟!
• بسبـب مـا قمـت بـه يـوم أمـس.
– ومــــــا الــــذي قمـت بـه يـوم أمـس؟!
• اســـــــــــــأل نفســــــــك..
– !!!!!.
.. ليغادرني (مسؤول التحرير)، وسط دوامة من الأسئلة والاستفهامات، ضاقت بها مخيلتي، لعلي أتشبث بأية إجابة عن (سوء فعل) يوم أمس!!
لم أقم بشيء غير اعتيادي في نهار عملي الروتيني المتمثل بالمطلوب مني، من رسم كاريكاتير سياسي يومي في جريدة (الغارديان) البريطانية التي أعمل فيها منذ أربعين عاماً، رسمت عبرها كل ما دار في العالم من أحداث، وكل ما دار في ذهني من تجليات.. فما الجديد الذي اختلف اليوم؟!
لم تسعفني نباهتي التي ما خانتني يوماً، بالحصول على الإجابة، ولم أجد بداً من الرضوخ للأمر الواقع.. إجباراً لا بطولة موقف، وبدأت بلملمة أغراضي وأوراقي وأدوات الرسم خاصتي، وأهمها (سلّايات) الرسم، ولاسيما آخر عنقودهن الأثيرة على قلبي، كونها مهداة من زوجتي في عيد ميلادي، المميزة بممسكٍ خشبي نقشت عليه منمنمات شرقية بتدرجات لونٍ بنفسجية، التي افتقدتها في زحمة ربكتي، لأجدها بعد ذاك في مكانها.. على منضدة الرسم فوق مسودات رسم موضوع يوم أمس.
رفعت (السلّاية).. وقلبت المسودات بعبث الممتعض اليائس المطرود.. واحدةٍ.. واحدة.. واحد…….ة !! لترتسم فوق رأسي، فقاعة تعليق توسطها مصباح فكرة.. تماماً كما في رسوم الكارتون، ليضيء شعاع المصباح ظلمة ما كنت أبحث عنه من إجابة، وبلسان حال (أرخميدس العاري ) عندما قال: أوريكا .. أوريكا..
إنه (نتينياهو) يا سادة!!..
(نتينياهو) هو من أقالني.. وليست الغارديان.
نعم.. تذكرت..
فقد رسمت يوم أمس، ونشر اليوم، (نتينياهو) وهو يحمل مشرطاً فوق بطنه الذي احتوى خريطةً لقطاع غزة، كاتباً عليها (يا سكان غزة.. أخرجوا الآن)، وهي إشارة لطلب جيش الاحتلال من سكان غزة النزوح إلى جنوبها!!
يا إلهي..
معنى هذا.. أني اتهمت (استنتاجاً) بمعاداة السامية.. لأني تجاوزت المحذور المرسوم في مخيلتهم بدون أن اقصد!! ولاسيما أني مازلت أتابع الأخبار العاجلة عبر هاتفي النقال، التي أشار أحدها، إلى أن (الرسمة) قد اعتبرت (مسيئة للغاية) حسب أحد أعضاء البرلمان البريطاني عن حزب المحافظين، في حين اعتبر بعضهم أن شخصية الرسم خاصتي مشابهة لشخصية (شايلوك)، المرابي اليهودي في مسرحية (تاجر البندقية) لشكسبير!!
لأدخل في حوارٍ محموم مع ذاتي لتفسير هذا الهوس الذي رافق هذه الرسمة!!، (فمن المستحيل طرح هذا الموضوع الآن وبهذه الطريقة، واتهامي بمعاداة السامية زوراً بلا دليل) (حسب ستيف بيل).
لأن الرسمة في أساسها هي اقتباس لموضوع رسمه (ديفيد ليفين)، صوّر فيها الرئيس الأمريكي السابق (ليندون جونسون) وقد رسم على بطنه ندبة على شكل خريطة (فيتنام)، وكل ما فعلته أني ربطت ما بين الفكرتين ونتائجهما، وإشارتي (للفشل السياسي الكارثي لنتينياهو، الذي أدى الى إلفظائع البشعة في غزة.. مع استخدامي لكلماته الفعلية التي خاطب فيها سكان غزة) (يقول بيل).
حينها فقط.. لملمت أغراضي و(سلّاية) الرسم، أثيرتي المحببة ذات الممسك الخشبي المزدان بنقوش منمنمات شرقية.. بتدرجات لون بنفسجية، ولأغادر مكتبي برباطة جأش المقتنع.. وباعتقاد الواثق، من أن حرية التعبير والديمقراطية عندنا تتيح لك أن تتناول ما تشاء من أفكار منطقية أو غير منطقية.. لا بل يمكنك أيضاً أن تسب المحرمات، وأن تسب كل الأديان.. وأن تحرق كتبها.. وأن تستهزئ بأنبيائها، وان تصورهم بأوضاع مختلة، وأن تنتقص من كل معتقدات الآخرين، وشخصياتهم المعتبرة والمحترمة بعذر حرية التعبير المكفولة ديمقراطياً.. إلا…!!
(العنب الأسود)..
الذي أغلق باب مرسمي.. إلى غير رجعة.