عرجون الخطاب

138

جمعة اللامي/
تقول الأسطورة الصينية، إن مجموعة من الذئاب حاصرت قلعة حصينة يعيش بين أسوارها جيش عظيم، على أمل أن تفتك بالجنود والمدنيين، لكنها فشلت، بل وفشلت فشلاً ذريعاً عندما تحولت إلى كلاب.
وتقول الأسطورة أيضاً إن أحد حكماء القلعة رأى أن تقدم، وعلى نحو متدرج، كميات من لحم الحيوانات المذبوحة إلى الكلاب خلف أسوار القلعة، ثم تتوقف هذه العملية بعد فترة من الزمن، فكان أن تكاثرت الذئاب التي حول السور، فاغرة أفواهها، فتات من القديد!
والحكاية تتحمل كثير من التأويلات، كما يلاحظ القارئ الكريم. غير أن الكاتب البغدادي (محمد بن خلف بن المرزبان) المتوفى سنة 921 ميلادية، أراد في كتابه الراقي (فضل الكلاب على كثر ممن لبس الثياب)، تبيان صفات الكلاب، وإشاعة عاداتها غير السيئة بين الناس. وربما يتضمن الكتاب نقداً من طرف خفي لسلوك بعض من بني البشر الذين هم عقل وغريزة، على العكس من الحيوانات العجماء التي هي غريزة فقط، كما يعرف ذلك غالبية القراء الأفاضل.
وسبق للجاحظ أن خصّ الكلاب بشذرات في كتابه (الحيوان)، وهذا ما فعله (الدميري) أيضاً، ولاسيما أن الكلب يرد في الميثولوجيا العربية، وتتردد أصداء نباحه في عدد من الكتب غير الموضوعة. وقد لملم ابن المرزبان في كتابه أطراف متون الكلام وجمعها – بعدما مرّ على المدونات والمسموعات في زمانه وأزمنة من سبقوه- ليبين خصال الكلاب التي تدفع عن أصحابها غائلة الغائلين، وتهريجات الطاعنين في الظلمة، وهو في هذا ينسب إلى فضلاء وملوك ونسّاك أقوالاً وحكماً وعبراً وعظات، استقدموها من رفقة الكلاب لهم.
ويجد الذي يبحث عن نقد لظروف زمانه وتصاريفه مرامه ومغنمه في كتاب ابن المرزبان، فهو ينقل عن أحد الشعراء قوله:
عدوُّ راحَ في ثوبِ الصَّديقِ
شَريكٌ في الصَّبُوحِ وفي الغُبوقِ
لهُ وجهانِ، ظاهرهُ ابنُ عمٍّ
وباطنهُ ابنُ زانيةٍ عتيقِ
ويصف ابن المرزبان ناساً من زمانه بقوله:”فإذا رأيتم كلباً فتمسكوا به، فإنه خير من أُناس هذا الزمان.” ويتيح الكتاب لأي إنسان يعيش في القرن الحادي والعشرين، ومرّ ببعض أحوال القرن العشرين، أن يجد في الكتاب نقداً لذلك الزمان، بما يتضمن من إهدار متعمد لحقوق الإنسان، ونهب خيرات الشعوب بالقوة، ومحو ثقافات أمم أخرى، أو استئصال أقوام بطرق ساحقة ماحقة.
ومن طريف ما نقله ابن المرزبان، في كتابه المذكور آنفاً، قول أحد الشعراء:
إني أراه أوفى ذِماماً
من كثيرعرفتُ في الإخوانِ
صابرٌ مانعٌ حفوظٌ أَلوفٌ
دافعٌ مانعٌ بغيرِ امتنانِ
وبعد، فربما تكون مطالعة (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) تسرية عن النفس، ودعوة لمؤالفة الكلاب!