وقائع ثقافية روسية في شخصية النبي

336

جمعة اللامي /

أوضح الأديب الفرنسي أندريه جيد في كتابه “دوستويفسكي – مقالات ومحاضرات”، جانباً من اهتمامات أديب روسيا دوستويفسكي بالإسلام وبحياة الرسول (عليه أفضل الصلوات والسلام)، في تلك الرسائل بين الأديب الروسي، الذي كان منفياً في سيبيريا، وشقيقه في موسكو.

ويلح دوستويفسكي، في واحدة من رسائله، على أخيه، بضرورة أن يبحث عن نسخة من القرآن الكريم، مترجمة إلى الروسية أو الفرنسية، ويأتي بها إليه، وهو في ذلك المكان المخيف، حيث لا سلوى إلا بمصاحبة الكبار في تاريخ البشرية. ومؤلف رواية “الأبله” في سعيه هذا، مثل تولستوي، وبوشكين، وليرمنتوف، وإيفان بونين، في تأثرهم بالإسلام، والشرق عموماً، وانهماكهم بالمشهد الأخلاقي الفريد الذي وضعهم فيه القرآن الكريم.

إن بوشكين، الشاعر الروسي الذي يحظى بشعبية أسطورية في روسيا، انخرط في كتابة قصائد مطولة استوحى فيها حياة الرسول الأكرم، من خلال نصوص قرآنية مترجمة، كانت ذات تأثير واضح في بناء وعيه، ورفده بروافد تقوده إلى النبع الأول في الإلهام الشعري النبيل. وإزاء تولستوي، هناك من يجادل بأن هذا الكاتب ذا المنابت العرقية النبيلة، مات على دين الإسلام، ويكفي هنا أن نذكر روايته الملحمية “الحرب والسلام” ليعرف القارئ الكريم، نبالة نفسه، وعلو هامته، وسمو خلقه.

ومعروف، بهذا الخصوص، أن إيفان بونين، عاش في أوساط عربية وإسلامية، وزار فلسطين ومصر والجزائر وسوريا ولبنان، وتأثر كثيراً بالقرآن الكريم، وحياة الرسول الأعظم (عليه أفضل الصلوات والسلام)، لكنه قوبل بالإهمال في بلاده، وفي وسائل الإعلام العربية المؤيدة للثورة البلشفية، لأنه فجع بثورة أكتوبر، فهاجر إلى فرنسا، نافياً نفسه بنفسه، ولم يلتفت إليه كثير من الأدباء العرب، رغم حصوله على جائزة نوبل للآداب سنة 1933.

لقد كتب فيه شاعر روسيا المعروف الكسندر بلوك، قائلاً: “إنه من القلة الذين يستطيعون معرفة الطبيعة وحبها. وبفضل هذا الحب ينظر الشاعر في تأمل إلى بعيد، وانطباعات الصوت واللون عنده ثرية.”
درس إيفان بونين الإسلام والقرآن الكريم، بعناية وتبصّر، وكتب أشعاراً راقية يظهر فيها الرسول الأعظم وهو يناجي ربه، أو يصور فيها النبي إبراهيم، كما هو في القرآن الكريم، ولعل قصيدته الرائعة “محمد مُطارَداً”، خير دليل على ما نقول.

إن هذه الوقائع الثقافية الروسية في شخصية الرسول الكريم، فضلاً عن وقائع أوروبية مشابهة، دلائل مضافة على أن محمد بن عبد الله كان نوراً عربيّاً يُستضاء به.