زوار من خمس قارات يؤدون طقوس الأربعينية

60

علي لفتة سعيد/

في كل عام، ومنذ 2003، تبدأ رحلة الاستعدادات المبكرة لجميع مفاصل الحياة في كربلاء من أجل التهيئة لأيام الزيارة بمناسبة عاشوراء وإحياء أربعينية الإمام الحسين (ع)، التي أصبحت عالمية لا تحدها حدود المدينة المقدسة او العراق، بل صارت على مدار القارات الخمس، حتى لكأن كربلاء تتحدث كل لغات العالم.
مثلما تشهد حركة الأجساد ازدحاماً شديداً تتنوع فيه ألوان الملابس، وإن كان السواد أعظمها تحديداً. ولان شوارع المدينة هي ذاتها رغم التوسع القليل في منطقة ما بين الحرمين وصحن العقيلة زينب(ع)، إلا أنها تستوعب الملايين في حركة دائمة، وتوفر لهم المأكل والمشرب والمبيت بشكل لا تستطيع دول أن تقوم به.
هذا الأمر الذي أكده محافظ كربلاء المهندس نصيف جاسم الخطابي، مثلما يؤكده في كل عام، من أن “المدينة تستقبل أكثر من 50 مليون زائر من الداخل والخارج، وهو رقم كبير، بل يؤكد أن الزيارة الأربعينية هذا العام استثنائية وفيها تحديات كبيرة، ليس على المستوى الأمني فحسب، بل على المستوى الدلالي لها في خضم صراعات العالم المتعددة من حروب وأمراض وصراعات داخلية وخارجية.” ويضيف أن “هناك جهوداً مكثفة تبذلها كل الدوائر والمؤسسات والمنظمات وأهالي المحافظة ، كما أن كربلاء تواصل تنفيذ العديد من المشاريع، سواء منها البلدية او ما يتعلق بالخدمات الأخرى كالماء والمجاري، وأن كربلاء لا تقدم الخدمات لمواطنيها بل لزوار القارات الخمس.”
استحضارات العتبة الحسينية
العتبات المقدسة دائماً ما تستحضر هممها وتعمل على توفير جميع المستلزمات.. فهي الراعية الكبرى لهذه المناسبات. ولهذا فإن العتبة الحسينية المشرفة، التي تعد المرجع لهذه المناسبة، تهيأت منذ وقت مبكر معتمدة -كما يقول مدير إعلامها عباس الخفاجي- على خبرة السنوات الماضية التي اقتربت من العقدين، ما ولد حركة وهمماً وأدوات وجهداً وأموالاً.
وأضاف أن “العتبة لا تدخر جهداً في سبيل تقديم أفضل الخدمات للزوار في مثل هذه المناسبات، ولهذا فإن من أهم الأولويات هي إضافة مساحات فضائية جديدة لتكون مواقع استراحة.” مؤكداً أنه “جرت إضافة مساحة الى صحن العقيلة زينب عليها السلام لتكون جاهزة خلال زيارة الأربعينية، مثلما عملت على نصب جسور لتكون الحركة مناسبة ولا تتقاطع مع حركة المواكب الحسينية التي تمارس طقوسها بشكل يومي.”
وأوضح أن “الأهم في كل هذا هو الخطة الأمنية بعد الخدمية، التي ستكون بالتنسيق والتعاون والارتباط مع خطة قيادة عمليات كربلاء المقدسة، إذ جرى التنسيق والاستعانة بمفارز مكافحة المتفجرات في خلية الصقور، وكذلك التنسيق مع مديرية الدفاع المدني العامة والدفاع المدني لمحافظة كربلاء المقدسة، مع نشر المزيد من المفارز حول محيط العتبة المقدسة والشوارع المؤدية الى المرقد الطاهر، فضلاً عن الاستعانة بأكثر من سبعة آلاف متطوع للمشاركة في خطة زيارة الأربعين، إضافة الى نشر أكثر 1800 كاميرا مراقبة لرصد حركة الزائرين داخل المدنية القديمة ومحيط العتبة المقدسة والطرق المؤدية الى المرقد الطاهر لأبي عبد الله الحسين عليه السلام.”
استعدادات صحية
مدير صحة كربلاء الدكتور صباح الموسوي ذكر أنه “جرى نشر85 عجلة إسعاف فوري قرب مراكز الطوارئ داخل المدينة القديمة والطرق الخارجية، مع تهيئة 75 مفرزة طبية وثمانية مستشفيات حكومية وخمسة مستشفيات أهلية، فضلاً عن تحريك مستشفى الزهراء (ع) المتنقل الميداني مع فتح صالات للطوارئ في المراكز الصحية داخل مركز المدينة.” مضيفاً: “هيأنا 50 فرقة صحية لمراقبة مياه الشرب والأغذية المقدمة للزائرين، كذلك تهيئة50 فرقة للاستجابة السريعة التعامل مع الحالات الطارئة الحرجة بالتنسيق والتعاون مع طبابة الحشد الشعبي لفتح تسع مفارز طبية موزعة على محاور المدينة القديمة، فضلاً عن وجود المفارز الطبية التابعة للعتبتين المقدستين، الى جانب استمرار المنافذ التلقيحية بتطعيم المواطنين ومنتسبي الدائرة والمؤسسات الحكومية والأهلية باللقاحات المضادة لفيروس كورونا، مع ممارسة عمليات التثقيف بين الزوار بمخاطر الأوبئة وكيفية الوقاية منها وإشاعة مفهوم ارتداء الكمامات والنظافة الشخصية وغسل اليدين.”
عشرون ألف موكب خدمي
إن ما يميز الزيارات الدينية، ومنها زيارة العاشر من محرم الحرام والأربعينية، هي المواكب الحسينية التي تقوم بممارسة الشعائر، او التي تقدم الخدمات للزوار.. إذ تجاوز عديد المواكب في هذه الزيارة الـ 20 ألف موكب من مختلف مدن العراق وخارجه، وحتى من الدول الآسيوية والأوروبية.
يقول المؤرخ والباحث حسين محمد الإمارة إنه “في أواخر القرن التاسع عشر، خلال العهد العثماني، اتفق رجالات مدينة كربلاء وساداتها على تأسيس وتنظيم موكب عزاء حسيني خاص لكل محلة (طرف)، واستمر ذلك تباعاً حتى بداية القرن العشرين.” وأضاف أن “الزيارات الخاصة بمعركة الطف تنقسم الى قسمين: الأول هو الخاص بيوم العاشر من محرم، والثاني يخص الزيارة الأربعينية، لأن طقوس العاشر هي خاصة بأهالي المحافظة، أما الأربعينية فإنها خاصة بمن يزور المدينة من كل انحاء العراق والعالم.” ويؤكد الإمارة أن “الزوار من مختلف مدن العراق اعتادوا المسير على الأقدام من أول أيام صفر وحسب بعد المدينة التي ينطلقون منها، وهم يمثلون مدناً من أقاصي البلاد إلى أدناها، يشاركهم في المسير قسم من الزائرين الأجانب من بلدان الكويت والبحرين والسعودية وإيران وبقية دول العالم، وتعتمد مسافة المسير على مطاولة وتحمل الزائر، هذا المسير يعكس اعتقادهم بأن عليهم مواساة أهل البيت (عليهم السلام) من خلال المشاركة في هذه الطقوس.”
ويوضح أنه “قبل موعد الزيارة بفترة زمنية يقوم متعهدو المواكب بإرسال بضعة أفراد إلى مدينة كربلاء من أجل تهيئة مكان مناسب لمبيت أصحاب الموكب ونصب الخيام في حال تعذر الحصول على حسينية أو دار تسع أصحاب الموكب، وعند وصول أصحاب الموكب يتهيأون بالخروج في مواكب حسينية تمثل مدنهم ومحلاتهم.” مبيناً أن “المواكب تختلف في نوع العزاء، فمنهم من يشارك بموكب زنجيل يصاحبه قرع الطبول، ومنهم من يشارك على شكل موكب مكون من مجاميع (جوگات) يرددون فيها ردات حسينية يصاحبها اللّطم على الصدر وهم يدورون في شوارع المدينة حتى وصولهم الصحن الحسيني، ومن ثم الصحن العباسي، ومن بعدها التفرق والذهاب كلٌ إلى مكان إقامته.”
وعن دور أهالي كربلاء في الأربعينية يقول المؤرخ الإمارة إن” فعاليات أهالي كربلاء تقتصر على تهيئة أماكن إيواء المواكب والزائرين الوافدين إلى المدينة مع تزويدهم بما يتطلبه الموكب من ماء ووقود (دعم لوجستي) إضافة إلى مساهمتهم في إعداد الطعام وتقديمه إلى الزائرين الكرام مجاناً.”