ظاهرة جديدة تغزو المناطق السكنية معاهد التقوية ويافطات الإعلان عن التدريس الخصوصي

45

علي غني /

أترك لك حرية التجول بأية منطقة في بغداد (والكلام موجه الى كل من يقرأ هذا الموضوع)، وانظر الى جدران المنازل فيها، ستجدها مليئة بيافطات مكتوب عليها: معهد الأمل، معهد الثقة، معهد لجميع الدروس من الإسلامية الى الفيزياء، هنا (إشارة الى بيت سكني)، يافطة أخرى تشير الى وجود مدرسين للمراحل والمواد الدراسية كافة، من دون الإشارة الى أن هذا المعهد أو البيت مجاز من وزارة التربية أم لا.
إن ظاهرة انتشار معاهد التقوية في المناطق السكنية، ولاسيما القريبة من المدارس، بنحو مريب، تدعونا الى إعادة النظر بطرق التدريس في المدارس التي تضاءلت أمام هذه المعاهد وسطوتها، وربما نجدها في يوم ما تنحني أمامها!
أولياء الامور
وعزا مدير مدرسة ابن الأرقم الابتدائية (مثنى عدنان) الأسباب الظاهرة إلى “تدني مستوى التعليم، ما أدى الى لجوء العديد من العوائل لتسجيل أبنائهم في معاهد التقوية، أو لدى الخريجين العاطلين عن العمل من شتى الاختصاصات، الذين لم تتح لهم فرص التعيين في المؤسسات التربوية أو دوائر الدولة الأخرى. كما أن انشغال أولياء الأمور عن أولادهم بسبب أعباء المعيشة، أو بدافع الإهمال، جعلهم يرتمون في أحضان التدريس الخصوصي من دون معرفة من الذي يقوم بتدريس أولادهم، وهل لديه خلفية تربوية أم لا..
ظاهرة خطيرة
يقول مدير الإشراف التربوي في المديرية العامة لتربية الكرخ الثانية (الأستاذ فاضل خلف عزيز) إن “هذه الظاهرة تعد من الظواهر الخطيرة التي تحتاج الى معالجة سريعة، لأنها تسبب إرباكاً وفوضى لدى العديد من العوائل العراقية، إذ ليس من المعقول أن تتصدى (موظفة غير مختصة بالتدريس) لتعليم دروس في الاختصاصات جميعها، ومن غير المعقول أن يقوم (أحد الموظفين) بتدريس التلاميذ معتمداً على ملازم مدرسية. لذلك يجري الغش على العديد من هذه العوائل، إذ يلجأ الناس الى هؤلاء المدعين المنتشرين في جميع المناطق، بسبب عدم تفرغ الأهل لتدريس أو متابعة أولادهم، ومن دون أن يقدموا النصح لهم بالانتباه الى المعلم في أثناء الدرس، وبعدم تشتت أذهانهم بسبب المشاكل التي تحدث في البيوت أو اللجوء الى وسائل الترفيه وترك التحضير المدرسي، لذلك أنصح عائلاتنا الكريمة بمتابعة أولادهم، ولاسيما التلاميذ الصغار.”
الربح المادي
فيما يصف معاون المدير العام للشؤون الفنية في تربية الكرخ الثانية (الأستاذ ستار السعيدي) التعليمين الأهلي والحكومي بأنهما “نهران يصبان في بحر واحد، هو بحر التطور العلمي والتربوي لبلدنا العزيز، وإن حدث إخفاق في أحدهما، فذلك يعني إخفاقا في المنظومة التربوية والتعليمية والعكس صحيح.”
“لكن الذي يحصل لدينا (والكلام للسعيدي) هو انحراف بعض المؤسسات التربوية الأهلية عن مسارها الصحيح، لتصبح مؤسسات غير تربوية جشعة همها الأول هو الربح المادي فقط، وكذلك الاستغلال البشع لبعض المحسوبين على التعليم، وتقصيرهم المتعمد داخل الصف كي يجبروا طلبتهم على الالتحاق بمدارسهم أو معاهدهم الأهلية الخاصة، لذا يجب على الجهات الرقابية مراقبة ومحاسبة المدرسين الذين يستقبلون طلبتهم في معاهدهم الخاصة، وكذلك محاسبة الذين يعملون في القطاعين الأهلي والحكومي في آن واحد من دون الحصول على الموافقات الأصولية.”
سوء التخطيط
إلى ذلك.. يرى المشرف الإداري في تربية الكرخ الثانية (الأستاذ فيصل مدلول) أن “ظاهره التدريس الخصوصي هي من الظواهر المستحدثة في مجتمعنا الذي يعاني الكثير من المتناقضات، لكن قبل الخوض في مناقشة أسباب هذه الظاهرة، لابد من أن نشير الى أن كل ما يجري في المجتمع -للأسف الشديد- هو نتاج لسوء التخطيط، وكل ما يحصل هو رد فعل لظواهر لا يجري التصدي لها.
انحسار الوقت
وأسأل الأستاذ فيصل: ترى ما الأسباب التي أدت الى تفاقم هذه الظاهرة؟ فيجيب: “هناك عوامل كثيرة، منها انحسار الوقت المخصص للتدريس في المدارس الحكومية، الذي أصبح أحياناً لا يتجاوز الـ (٧٠يوماً)، في حين تحتاج المناهج في مدراسنا الى (١٨٠) يوماً على الأقل، وهذا وفقاً للنظام وليس من الاجتهادات الشخصية. كذلك هناك حالة تعدد وجود المدارس في البناية الواحدة (الدوام الثلاثي) الذي يؤدي الى تقليص الأوقات المخصصة للتدريس، وبالتالي ينعكس على فقدان الطلبة الكثير من مفردات المنهج الدراسي. فضلاً عن زيادة عدد الطلبة في الصف الواحد، ما يؤدي الى غياب روح المنافسة وعدم بروز الطلبة المتفوقين والمتميزين، وفي الوقت نفسه فقدان المدرس القدرة على المتابعة ومراعاة الفروق الفردية لإيصال المنهج الدراسي ولو بحده الأدنى الى الطالب.”
الخوف من الرسوب
ويكشف الدكتور منصور كاظم الاستاذ في الجامعة العراقية الأسباب التي يسوقها الطلبة لتبرير الاستنجاد بمعاهد التدريس الخصوصية، منها “كثافة المواد الدراسية والفروض المنزلية والاختبارات اليومية التي تفوق قدرة الطلبة، والخوف من الرسوب، وعدم توفر وقت كاف للاستفسار في الصف، وصعوبة محتوى الكتاب المدرسي ومفاهيمه المعقدة، وعدم وجود برامج تعليم تعويضية وتصحيحية في المدرسة لمعالجة المشكلات التحصيلية لدى الطلبة المقصرين، والاطلاع على أكبر قدر من نماذج الأسئلة التي قد تتوافر في المعاهد، والتحضير لتجاوز امتحانات دخول الجامعات، والرغبة في رفع المستوى العلمي.”