احتفاء بالفائز بجائزة الإبداع عبد الستار البيضاني.. القاص الذي أثار الأسئلة قبل الإجابات

413

زياد جسام
تصوير – علي الغرباوي/
جلسة احتفائية حوارية نظمتها دار الثقافة والنشر الكردية في مقرها ببغداد للكاتب عبد الستار البيضاني حول ما يقدمه من نتاج أدبي مميز على الساحتين العربية والعراقية، كان ذلك بحضور عدد غفير من المثقفين والإعلاميين المعنيين.

أول المتحدثين في هذه الجلسة كان المدير العام لدار الثقافة والنشر الكردية (آوات حسن)، الذي تحدث عن المحتفى به: “عرفت البيضاني صحفياً فذاً منذ السبعينيات، حين كنت أتابع ما يكتبه في مجلة (ألف باء) والصحف المحلية الأخرى، عرفته محاوراً شرساً وصريحاً مع من يقوم بمحاورته للنشر أو مقابلته. وثانياً عرفته قاصاً بامتياز، إذ إن له بصمته الخاصة وأسلوبه المميز في الكتابة. وثالثا هو روائي مهم جداً، والدليل على ذلك هو فوزه بأكبر جائزة عراقية، وهي جائزة الإبداع العراقي في مجال الرواية، وهو يستحقها بامتياز. وأشار الى أن البيضاني كان يعمل آنذاك في الصحافة، بالإضافة إلى كونه جسراً بين مثقفي السليمانية ومثقفي بغداد، أمثال حميد مختار او حميد الربيعي، وشوقي كريم حسن. عن طريقه كنا نتعرف على هؤلاء ونأخذ رواياتهم منه ونتعرف على نتاجاتهم وأفكارهم، باختصار فإن البيضاني شخص مثقف لديه مشروع كبير لا يُمل من الحديث معه أبداً.”
حوار مفتوح
ثم ترك المنصة للمحتفى به عبد الستار البيضاني والإعلامية المخضرمة منى سعيد، ليتحاورا حول منجزه الثقافي وبعض رواياته، وتحدثت سعيد عن علاقتها بالبيضاني التي امتدت لأكثر من أربعين سنة، إذ قالت: “عبد الستار البيضاني: الكاتب، إنسان متفاعل مع الحياة بمجسات بالغة الحساسية، كاتب تمسك بالموروث الشعبي، وعكس الحياة اليومية من خلال حكاياته، مؤسطراً الواقع، فبرز كاتباً مميزاً على صعيد الرواية والقصة العراقية الحديثة، ونال أخيراً جائزة الإبداع العراقي عن روايته (دفوف رابعة العدوية) التي تتقطع أنفاس القارئ وهو يلاحق لاهثاً أحداثاً محبوكة بنسيج متين تتشابك فيه مشاهد الحب والتصوف والتاريخ والفن والموسيقى واستدراج الذكريات… فقد كُتبت بحذق تام لا يترك مجالاً لتأويل أو تخمين ما الذي سيحدث، في كل صفحة، وأحياناً في كل سطر منها مفاجأة تتلبس القارئ لتسحبه إلى عوالم (فنطازية) مرة وواقعية بحتة مرات أخر، تربكه بين تصديق الحقائق أم أنها مجرد أوهام.”
الرواية حياة
بعدها تحدثت مع البيضاني حول الرواية وسألته: “وأنت تكتب روايتك الأولى، ما أدواتك؟ وهل تجد نفسك أمام امتحان؟ وهل نجحت؟”
أجابها البيضاني: “بأنني قبل أن أكتب القصة القصيرة بدأت بكتابة رواية طويلة عن تجربة أحد أصدقائي في حرب تشرين عام 1973 على الجبهة السورية، وقد أهملت هذه التجربة نهائياً ولم أعرضها على أي شخص .. الرواية بالنسبة لي حياة كاملة تنمو باستمرار وتتغير تفاصيلها حتى وإن احتفظت بمفاهيمها أو تكوينها.”
وعن الموروث الشعبي والأسطورة والرمز سألته منى سعيد: “كيف تأثرت بها أول مرة، وما طريقة استثمارك لها؟”
أجاب: “لا توجد أية أطر أو منطلقات نظرية وآيديولوجية قادتني إلى استثمار هذه الأشياء في قصصي، وإنما جاءت ضمن عملية البحث عن الخصوصية المحلية للنص، إضافة إلى قدرة الموروث والأسطورة الكبيرة على إسناد فعل القص والحكي في النص القصصي، فقد وجدت ضمن تأملي لتجربتي ولتجارب القصاصين الآخرين في العراق، أن القصة تكاد تنأى عن الجمهور، أو يكاد يهجرها جمهورها، وعلى الرغم مما طرح من أفكار وتعليلات تتعلق بالتطور التكنلوجي، فقد وجدت أن السبب يكمن في إهمال فعل القص وعنصر الحكاية في القصة، والاتكاء على اللغة بمفردها، إذ تأتي كانثيالات تلمّح إلى الحدث ولا تقترب منه، فيتحول أحياناً إلى خواطر تعتمد الصورة اللغوية للأفعال الذهنية ولا تلمس الحياة. فكان رد فعلي أن أعتمد عنصر الحكاية كجوهر أساسي للقصة، ووجدت نفسي أكتب بروح الأسطورة والحكاية الشعبية، ويبدو أنني وفقت في ذلك إلى حد جعل الكثير من المعنيين والقراء يعتقدون أنني استفدت أو تناولت الأساطير والموروث الشعبي في قصصي.”
دكتاتورية الكاتب
وفي سؤالها عن علاقة البيضاني بالمتلقي، وهل يضع له حساباً أثناء الكتابة أم لا، وما تأثيره على البيضاني؟
أجاب: “أنا ضد دكتاتورية الكاتب، ومع هيمنة النص على المتلقي. حساباتي للمتلقي هي ليست حسابات مساومة من أجل الوصول إليه، أو إيصال النص إليه، وإنما هي حسابات تدخل ضمن سلة سياقات النص الفنية والفكرية، لأنني أسعى إلى أن يكون المتلقي هو كاتب النص الثاني، أو بالأحرى أن تكون كتابة النص من رؤيته هو، لكن ضمن موجهات سرية أفخخ نصي بها من دون أن يدري القارئ، لذلك فإنه يأخذ حريته في فضاء النص، وفي الوقت نفسه ينشد إلى الواقع من خلال مناخ النص، لذلك ترين أنني أركز معظم جهدي على مفتتح النص، أو الاستهلال، لكي أجذب القارئ الى النص وأجعله مستغرقاً بكل تفاصيله، كما أركز على النهاية التي هي دائماً نهاية مفتوحة، لكي تمنح المتلقي حرية وضع الإجابات لكل الأسئلة التي يطرحها النص. قصتي مهمتها إثارة الأسئلة، وليس وضع الإجابات، لكن لا أضمن عدم تدخلها في حيثيات الإجابة التي يعتقد القارئ أنه صنعها من تلقاء نفسه بشكل خالص وبحرية تامة.”
وطالت الأسئلة والأحاديث ومداخلات الحضور، لذا كانت الجلسة ممتعة وذات فائدة للحضور، بحيث لايمكن لهذه الصفحات أن تستوعب كل ما قيل بحق البيضاني.
أما الجانب الآخر للجلسة فكان حضور غالبية زملاء البيضاني، الذين عملوا معه في مجلة (ألف باء) العريقة سنين عدة، إذ دارت أحاديث جانبية واستذكارات لتلك الأيام التي كانت تعتبر انطلاقتهم الأولى في عالم الصحافة.