عدم ثبات الفنانين الشباب على أفق واضح.. هل أضاع النقد الفني الرصين؟

138

زياد جسام/
تبدو الحركة التشكيلية العراقية في الوقت الحالي، ولاسيما لدى الفنانين الشباب، متأرجحة بين الاتجاهات الفنية والتأثيرات المحيطة بالفنان، السياسية والاجتماعية، وبين تأثرها بذائقة المتلقي وتسويق الأعمال..
فهل يمكننا أن نعزو ذلك إلى غياب النقد الفني الرصين الذي يعد بوصلة يستفيد منها الفنان؟ ثم أين ذهب ذلك الناقد الذي لا يجامل على حساب الفن؟.. توجهنا بهذا السؤال إلى بعض النقاد المتخصصين بالكتابة التشكيلية، ومنهم الناقد صلاح عباس الذي قال: “عندما نتصفح سفر الفنون التشكيلية في العراق، نجد أن البدايات كانت مع لفيف من الرسامين (الاتباعيين) لمنهاج الواقعية التقليدية، التي لا تسمح بتخطي قواعد الضبط الأكاديمية. غير أن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية مهدت لبعض الفنانين العراقيين لتأسيس منهاج بحوث فنية جديدة غير مسبوقة، أتاحت الفرص أمامهم للخوض في معترك التنافس الفني والإبداعي، ولاسيما أن فرص التحديث باتت متاحة أمام الجميع. في حين أن الواقعين الاجتماعي والثقافي في البلاد لم يزالا يحبوان، إذ ليست هناك أية مقاربة بين الواقع الحياتي في بلدان أوروبا والعراق، ولكن الخطوة الأولى أنجزت وأثمرت نتاجاً فنياً نوعياً، محققة ضروباً من الفنون الريادية التي نفتخر بها.”
وأضاف: “أعتقد أن أحد أهم الأسباب التي سمحت للفنون التشكيلية في العراق ببلوغ حالة من التقدم والرقي هي الرفقة والعلاقات الاجتماعية والثقافية بين طليعة الفنانين وبين نقاد الفن. وليست خافية على جميع المتابعين للشأن التشكيلي في العراق علاقات العديد من الأدباء بعضهم ببعض، مثل بلند الحيدري وجبرا ابراهيم جبرا وجليل كمال الدين وحسين مردان وبدر شاكر السياب، مع نخبة من الفنانين مثل جواد سليم وشاكر حسن ومحمود صبري وفائق حسن، وسواهم من الفنانين المؤسسين للاتجاهات الجديدة في الفنون التشكيلية. لكن منذ زمن التغير الجوهري في الحياة العراقية بعد انهيار الجمهورية الأولى وحتى الآن بقيت الحياة العراقية تكابد محن الانتهاكات وأزمات الحروب التي لا طائل منها، فانعكس ذلك حتماً على مختلف الفعاليات الفنية والأدبية والثقافية، ما حجَّم العطاءات النوعية.. وليس صحيحاً أن نطلق تهم التراجع الفني ونرميها في ساحة نقاد الفن، أو أن بعضاً من الأصدقاء يتلذذون في كيل التهم على نقاد الفن وما إلى ذلك، إذ إن التاريخ الخاسر، او تاريخ الأسى الذي صنعه السياسيون، هو من يتحمل المسؤولية كاملة عن كل أشكال الارتداد الاجتماعي والثقافي والأدبي.”
أفق التأثيرات
أما د. معتز عناد غزوان فقد قال: “تشكل الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة نوعاً من عدم الثبات على أفق واضح من التأثيرات الحداثوية، ولاسيما تلك المدارس المهمة التي بدأت بالدادائية مروراً بالتكعيبية والسوريالية والتجريدية وغيرها، التي أكدت على الذات الخاضعة للأسلوب الجمعي لمنطلقات تلك المدارس المهمة.” وعن التأثيرات السياسية والاجتماعية في العراق قال إن “دورها واسع في ظهور أساليب وأفكار شبابية جادة وجديدة قد لا تنتمي إلى مدارس الحداثة في الغالب، بيد أنها تعبير ذاتي يخرق القواعد بجرأة وغرابة تتزامن مع الثورة الرقمية والاتصالية العالمية الهائلة، ليغدو الفنان العراقي متأثراً بالمرحلة الجديدة الغامضة والصعبة في تحديد ملامحها، على العكس من مناداة العديد من النقاد بأننا اليوم في مرحلة فكر ما بعد الحداثة التي ما تزال مجهولة الأطر والمعالم والفكر، فالفنان العراقي يتطلع وبشغف إلى كسر القواعد والجمود في التعبير وسطوة تأثير التقنية.”
وعن سبب انحسار النقد الجمالي في العراق اليوم، قال غزوان: “قد يعود ذلك إلى غياب النقاد الجماليين الذين كانت لهم بصمات واضحة في المشهد الجمالي التشكيلي العراقي، إذ كان لآرائهم المثيرة والمدهشة أثرها الواضح في تطور رؤية وأداء ونتاج الفنان العراقي المعاصر. نحن اليوم في أشد الحاجة إلى نقد جمالي فني يعتمد الموضوعية وتأشير وتأطير الجوانب الإبداعية في الخطاب الجمالي التشكيلي العراقي.”
هوية خاصة
كما تحدث الكاتب زهير الجبوري عن هذا الموضوع قائلاً: “لابد لنا من معرفة حقيقة أن الفن التشكيلي العراقي هو من أهم الفنون الحاضرة على المستويين العربي والعالمي، وفي اعتقادي الخاص بشأن التحولات الجوهرية لملاحقة ماهو جديد، فإن التشكيلي العراقي استطاع أن يمسك بها لتكون له هوية خاصة، وهذا ما يؤكد أن الكثير من الأسماء التي تعيش خارج البلد عكست ذلك.”
وعما يخص الجيل الجديد قال: “إنه جيل قلق، لا يأخذ على عاتقه حساسية المرحلة وخطورة التحول، هو جريء لأنه عاش فترة انفتاح واسعة وكبيرة، وهذا ما لم يشهده أي جيل، بالإضافة إلى موت الأب الوصي، أو المعلم الذي يمنح الأشياء مكانتها الصحيحة.. ولعل هذا الأمر يعد من حالات ما بعد الحداثة، إذ ترى الفنان الشاب يمضي قدماً عبر مزاجات غير محسوبة أو ليس لها تأصيل منهجي معين.”
وبخصوص النقد الفني أضاف: “هناك بعض المطبوعات الخاصة بالنقد التشكيلي، وبعض الأسماء الأكاديمية والإبداعية التي قامت بتأليف كتب خاصة ببعض الفنانين المعروفين.. تبقى المسألة قائمة على مبدأ التخطيط للنهوض بواقع الفن التشكيلي من قبل أصحاب الشأن.”
فضاء آخر
أما د. جليل مطشر فقال: “لا يريد المتخصص في الفن والتخصصات الأخرى أن يقتنع بأن الأدوات اختلفت مع طرق التعاطي مع الحياة، ومنها المشهد التشكيلي العراقي، وحتى عمليات النقد الجمالي الفلسفي الاحترافي تغيرت بشكل مفصلي، فنحن إزاء وضع جديد، ولهذا فإن عليه أن يأخذ منحى ترويجياً تسويقياً بأساليب جديدة كالسوشيل ميديا وما تملكه من سطوة نافذة وفاعلية نقلت جملة الأداءات المعرفية إلى فضاء آخر.. أضف إلى ذلك وجود مجاميع تمتلك القدرة على بناء رأي جمالي مؤثر بمعايير وضعتها هي وتصدرت المشهد وأزاحت بقوة الثوابت الكلاسيكية التي كانت تتحكم بعمليات النقد الفني ومالها من تأثير على حضور الفنان وتبني تجربته الجمالية.”
وعن المجاملات في النقد قال: “هي موجودة في كل زمن، لكنها لم تجد الوسيلة التي تنقلها مثل ما يحصل الآن من انتشار أجهزة وتطبيقات تجعل كل الأحكام والمجاملات في متناول المشاهد.”