مظفر النواب عصمة الشعر في انحيازه للإنسان

386

د.جمال العتّابي/

لا يكتب مظفر النواب قصيدته حسب القوانين السائدة في كتابة الشعر الشعبي، بل هي التي تفرض منطقها الخاص في الشعر، القصيدة الجديدة لمظفر لا تبدأ بالموضوع، إنما الموضوع أحد مكتشفاتها، إحدى منصاتها للتوغل عبره نحو الموضوعات الكبرى، نحو (القضية)، وهي الكينونة التي تنبع من خصوصية النواب، من تجربته الحياتية، وشخصيته الاستثنائية.
في شعره أشياء عديدة، مثل (الأبواب والدفاتر والمحطات والشبابيك، الناس، النهر والهور)، أشياء كما هي، ومع ذلك عندما تدخلها في دينامية الحقل المغناطيسي للنص، تأخذ أبعاداً أخرى، ما يعيدنا الى فكرة السيميائية في الشعر، لا التقليدية منها، إنما الأشياء والمفردات نفسها، تتحول إلى معادن، والقصيدة إلى مختبر.
قصيدة (لابد يردّون باجر)، من القصائد التي كتبها مظفر النواب في سنوات عمره الأخيرة، لم يكن النواب فيها مستعداً للتخلي عن (أناه)، أو تذويبها، لم يعد في العمر متسع كي يواجه المشكلات الصعبة في تجربته الحياتية:
گاعد بشباجك من اسنين واتنه
واطلب دفاتر تركض تشيل الجنط
والحزن إلمن
ناس ما منهم گمر
ناس مايسوون خاشوگة شكر
إحساس عميق بالخيبة، وفقدان الأمل، حتى صار الألم السمة البارزة لقصائد مظفر الأخيرة، وصارت الغربة والإحباط أهم سماته، التي تكشف عن طبيعة مكوناته، كيف يكون حال الشاعر وهو يواجه حالة الانفصال، عن أولئك الذين يتناسون، أو يدعون النسيان، الشاعر أمام هذا العقوق مطالب بأن يفعل المستحيل ليخترق سكونه، في خضم الألم الذي يعيشه من أجل ان يتوازن ويكتب:
والناس الردتهم
نسوا من اسنين اسمك
والمحطة، وخلّوا ادموعك نهر
يحس أن كل ما عنده لم يكن كافياً لكي يصرخ، لكي يعبر عن هذا الذهول، بالشعر، لكن ليس بشعر المأساة، انما بشعر كأنه ينعى فيه نفسه:
أدري بيك تريد تبجي
ابجي وحدك، آنه ساكت
بس أحلفك ياگلب يجبير
لا ينخطف لونك لو شفتهم
النواب يكفيه صوت يصعد من كعب قدميه إلى رئتيه، فيقيء صراخاً ودماً، هكذا كان الصمت، يتضمن الصراخ الذي لا يكاد يسمعه عند نفسه.
لم تكن القضية خاضعة للمزاد، والدم ليس حمّالة قصائد إلى صفحات الجرائد والمجلات، ذلك خارج لعبة الشعر، كان مظفر يتوهم أنه حسم أمره مرة واحدة مع الماضي والمكابدة على الجرح، وإذا به يكتشف الحقيقة بأنه مازال ينزف، فيما يعنيه أنه ربح كل خساراته، لأنها رأسماله الرمزي، قوامه خسارات مركبة، إذ لا بيت يخاف عليه، ولا ثروة يسعى إليها، ولا حبيبة تفتك فيه، يجد نفسه في أحسن حال مقتصداً في النكد، يحتفل بمن أحب على طريقته:
اثكل شويه يگلبي
مرّة خلّيهم محطة
وانت سافر
بس أحلفك يا گلب يجبير
لا ينخطف لونك لو شفتهم
كان النواب مزيج كأسه، من صداقات، إلى إشراقات، إلى عناوين عتب، وقراءات في عذابات الإنسان، إلى الغور في عمق الذات، (الذاتي)، فالإنساني، لذا حين يهدأ موكب الندب، يعلن أنه وحده يحمل عبء الراية الحمراء، ولم يكن النواب حامل راية، إنما كان مقاتلاً في خط النار، على مراحل، وبحسب مزاجه، ثم بصراحة كان ذاك التشاكي المتشاكس، العنيد، الكاشف، الصاخب مرات، في هدوء عجيب، وحنين غير منقطع. الغريب في مظفر هذا الحياء، فما أقرب ما يحدو به الشوق لأفيائه الأولى، حينما يمتلئ قلبه حنيناً يستدر العيون، رغم جروح الإساءات، وثقل الرزايا:
لا ينخطف لونك لو شفتهم
فتنطلق نجواه على البعد إلى الوطن، عندما تختلط الغربة بالليل، يطل الوطن الأم يناجيه، فيصحو على بصمات خطواته الأولى فيه.
تجليات مظفر الأخيرة تبدو، وهو يحاور الموت الذي يدنو منه، كأنها حدوس الراحل، اذ يهاتف صحبه في الشام، وعمّان، ولندن، كدّسَ خبرة شعره وحياته للناس الذين أحبهم وانتمى إليهم، على حافة الوطن سار، والمسافة البعيد قطع، ببصيرة نفذت إلى آفاق وآماد، أوصلت مقلته إلى (العدسة) المكّبرة لينشد، فامتاز بتلك القدرة على الكشف، وإثارة الأسئلة، كأن الحادثات والعوادي تتكشف قبل أن تقع، أمام تلك البصيرة.
منح الشاعر العصمة لشعره في انحيازه للإنسان، واتخذ من جمهوره صحبة ضد زمان النكد، وبرغم جمهرة المعارف، وحشد المتأثرين والمتلقين، كان النواب يخاف العزلة والوحدة، وهكذا اعتاد أن يطرق باب قلبه بيمينه، وباليسار ينظر الى تاريخه، يرفع راية الفقراء والثورة، والكلمات التي لا تموت، وأسى شعبه، فمازج بين جيفارا والحلاج، ثم ابن المقفع وصويحب، ليصنع نموذجه في بطل عصره والأزمنة، لكنه بحسرة يقول:
شگد خطيه
اليفرش عيونه درب
للماله جيّه
لم يلذ بالصخرة مقيداً، بل انطلق واثقاً يشعل تحت أقدام الطغاة بارود شعره، أولئك اللائذين بالمصالح والمنافع، وبنار شعره أيضاً أضاء كهوف اللصوص والمتسلقين، وسخر من الموت المجاني، وباستحقاق الصداقة، ورفقة المجالدة، والضنى المزمن، ناقشه محبوه، فاختلفوا، واتفقوا على الاختلاف لأنه عافية حضارة العقل، والضمير الذي لا يخون. طبيعته ألا يتطابق، وإن جامل أو انحنى للريح بهدوء، حتى يعبر هو من عاصفة الاختناق والقسر، الى رحابه، حريته.
منذ البداية أرادوه على وفق المواصفات متطابقاً مع الشروط، فتمرد، لم يتردد في شد قوس الهجاء لكل من يحاول إغلاق نوافذ الأمل، يصادر حريته، ويكبّل معصميه بالقيد، أو يمد حباله لشنقه، ينفي وجوده، فكان أول العارفين بالمنزلق، ليتساءل: هل يزرع الشعر ليتناسل، أم يتيه في المغارة؟ فاختار الأول.