“نخيل عراقي” تستذكر محمد الصكار الشاعر الذي منح الحرف شكلاً ومعنى

106

زياد العاني /

دأبت منظمة “نخيل عراقي” على أن تقدم الى جمهورها أنشطة ثقافية فنية بشكل مستمر دون انقطاع، منها ما تهتم بالثقافة العالمية وأخرى بالعربية، وغالبيتها تركز على المحلية وترفع من شأن الثقافة العراقية والمبدع العراقي تحديداً، وذلك عن طريق الاحتفاء بجميع المبدعين الذين حملوا اسم العراق من مختلف الأجيال. وها هي اليوم تستذكر المبدع العراقي الراحل، “شاعر القصبة” محمد سعيد الصكار.
هذه المرة جرى النشاط بالتعاون مع المركز الثقافي العراقي للخط العربي والزخرفة، إذ أقامت منظمة “نخيل عراقي” قبل أيام في قاعتها الكبيرة معرضاً استعادياً فنياً لـ “شاعر القصبة” الراحل محمد سعيد الصكار. كان ذلك مناسبة لاستذكاره وطرح نتاجاته التي تمثل سلسلة تجاربه في الخط العربي وكتابة القصائد بوصفه شاعراً أيضاً، ليتعرف عليها الجمهور، ولاسيما الأجيال الجديدة التي لم تعاصره. وقد حضرت الافتتاح نخبة من المثقفين والفنانين والمهتمين والإعلاميين، من بينهم رئيس اتحاد الأدباء علي الفواز، والأمين العام للمركز الثقافي العراقي للخط العربي فالح الدوري، والصحفي والأديب حسن العاني، وشخصيات أخرى، وكان يرافقهم رئيس منظمة “نخيل عراقي” الشاعر مجاهد أبو الهيل.
جلسة حوارية
بعد التجوال في أروقة المعرض الفني الاستعادي، كانت هناك جلسة حوارية تناولت ما قدمه الراحل الصكار من منجز كبير لا يمكن نسيانه، لتأتي بعد ذلك مراسم توقيع كتابه الذي حمل عنوان “من رسائل الأدباء”. أدار الجلسة الشاعر والإعلامي أبا ذر وحيد، الذي رحب بدوره بالحضور، ثم منح رئيس الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق علي الفواز الوقت ليتحدث عن الراحل الصكار، الذي قال في مستهل حديثه إن “نخيل عراقي” دائماً ما تستعيد الهوية الثقافية العراقية، وهذه الاستعادة لم تكن التزاماً أخلاقياً فحسب، بل كانت معززة للقيم. وأضاف: “إنما نستعيد الصكار من باب الوفاء، فهو أيقونة وعلامة فارقة، ولاسيما أنه من المؤسسين لنمو الثقافة العراقية.” واسترسل الفواز في حديثه قائلاً: “لا يمكن لأي عراقي عندما يريد أن يتحدث عن التحولات في الثقافية العراقية أن يتم حديثه دون استذكار القامات الثقافية المؤثرة التي غيرت مسار بعض الخطوط الإبداعية ووضعت بصمتها واضحة على خزين الثقافة العراقية، لذلك أقول إن الصكار كان له الفضل الكبير في تأطير ملامح الحداثة في مشروعنا الثقافي، فهو نشأ مع جيل الخمسينيات ورسخ ثقافة عميقة عن طريق الترجمات وعن طريق الإحساس بالزمن، إذ وضع له فكراً جديد جمع بين الفن والثقافة. وهنا أقول إن الصكار ليس بعيداً عن السياب، وليس بعيداً عن البياتي، أو سعدي يوسف، أو التكرلي، أو حافظ الدروبي، أو جواد سليم .. ليس بعيداً عن كل هؤلاء الذين أسهموا في هذا التحول العاصف في الثقافة العراقية، إذ كانوا يشكلون وخزات أو صدمات هي التي شكلت الحداثة في الحياة العراقية وعلى المستويات كافة، لذلك نقول إن الصكار واحد من الشخصيات المهمة التي تستحق الاحتفاء والاستذكار، فأول مجموعة شعرية له كانت في عام 1962، وحملت هذه المجموعة إرهاصات نهلت من تجارب السياب وغيره من الأسماء التي ذكرتها سلفاً، إن التلازم بين روح الفنان وروح الشاعر خلق لدى الصكار تقارباً بين الصورة الشعرية والصورة البصرية.”
أما الكلمة الثانية فقد تلاها الأستاذ فالح الدوري، الذي عرج في حديثه على سيرة المحتفى به باعتباره “رمزاً من رموز الثقافة العراقية وظاهرة غير اعتيادية في الفن العراقي، شاعراً وتشكيلياً.” وختم الدوري كلمته بتكريم رئيس المؤسسة الراعية لهذا المعرض الشاعر مجاهد أبو الهيل بدرع الإبداع والتميز لدوره الفاعل في الثقافة العراقية. وقبل الختام كانت هناك مداخلات لبعض الحضور، منهم شيخ المخرجين السينمائيين محمد شكري جميل الذي قال إن “الفن حركة فعلية لتغيير الإنسان، وهناك علاقة ترابط كبير بين الفن والإنسان وبالتالي بلوغ لغة الحياة، لأن الإنسان يطارد الإبداع دائماً.” لتختتم جلسة الاحتفاء والمعرض بتوقيع الكتاب من قبل الشاعر علي الأوسي.
رسائل الأدباء
يذكر أن كتاب الصكار “من رسائل الأدباء” الذي جرى إهداؤه الى الحضور كان عبارة عن رسائل بعثها له بعض أصدقائه من المثقفين والفنانين العراقيين، جمعت لأهميتها وأهمية الأسماء التي كتبتها. الكتاب طبع بالقطع المتوسط، وضم بين صفحاته الـ ( 206) رسائل لخمسة شخصيات وهم: (هادي العلوي، بلند الحيدري، غائب طعمة فرمان، عبد الرحمن منيف، رشدي العامل). وقد كتب محمد الصكار مدخل الكتاب وقال في مقدمته “منذ عام 1952 الى هذا العام 2006، وأنا أحتفظ برسائل أصدقائي من الأدباء العراقيين والعرب وغيرهم، وأنقلها معي أنّى اتجهت في أسفاري الكثيرة وظروفي الوعرة، وقد توفرت لي المئات منها لعشرات من الوجوه الثقافية التي رفدت التاريخ الثقافي بمنجزات مرموقة صارت كنزاً من كنوزنا الفكرية، ومعلماً من معالم ثقافتنا المعاصرة. إن إعادة هذه الرسائل للنشر مهمة في غاية الوعورة، وهي بالنسبة لي ضرب من الخيال الذي لا أقوى على تحقيقه، فهو عمل مؤسسي يحتاج الى فريق عمل دؤوب وصبور ومتخصص، وأنا لا أستطيع توفير ذلك، لكن وعورة الموضوع لا تقف حائلاً في اختيار ولو خمسة منهم ممن غادروا دنيانا وتركوا لدينا أمانة جديرة بالذكر.”