العراقيون لا يخشون من الانسحاب الأميركي

261

طه حسين /

على الرغم من المخاوف التي تظهر هنا وهناك من عملية الانسحاب الأميركي نهاية العام الجاري، لكن القادة العراقيين في الميدان يثقون بقدراتهم المجربة على حماية أمن البلاد.
فعلى مستوى الأرض، ليس هناك من يجادل في شأن قدرة القوات العراقية على حسم أية مواجهة مع العدو لصالحها، لكن ثمة مخاوف من عدم استكمال منظومات الدفاع الجوي والقوات الجوية، فلغاية إعداد هذا التقرير، يعتمد العراق بشكل كبير على الجهد الأميركي في مراقبة التحركات من السماء، وعلى المعلومات التي تزودهم بها الأقمار الصناعية الأميركية.
في الجهد الاستخباري حقق العراقيون تقدماً سريعاً، وقدموا معلومات إلى جميع الدول عن تحركات تنظيم “داعش”، كما أعدوا لعمليات ستراتيجية خارج البلاد، وغدت معلوماتهم عن التنظيمات الإرهابية خزيناً متاحاً لدعم دول المنطقة.
حاجة العراق إلى الدعم الأميركي تظل محدودة تتصل بمسائل الدفاع الجوي، لهذا فإن أميركا لن تترك ثغرات خلفها عندما تبدأ انسحاباً مدروساً من العراق.
الأحاديث التي تنطلق في الفضاء الإعلامي، التي تقارن سيناريو الانسحاب الأميركي من أفغانستان بانسحابها من العراق، مجرد بالونات إعلامية لا تصمد أمام حقائق القوة العراقية التي اختبرت مراراً حين خاضت أقسى معارك مدن التاريخ في الموصل والفلوجة وتكريت، وهي قوات مسنودة بمقاتلي الحشد الشعبي الذين يمثلون صمام أمان ضد أية تحركات ارهابية.
وبالطبع فإن تنظيمات “داعش” ستحاول اختبار القوات العراقية بعد الانسحاب، لكن العراقيين واثقون هذه المرة من قواتهم على المستويين الرسمي والشعبي، وهذه الثقة يشارك بها العراق الدول المجاورة والمجتمع الدولي.

مهمة أساسية
المتحدث باسم القائد العام للقوات المسلحة، اللواء سعد معن، أكد على أن المهام الأساسية لمختلف القوات الأمنية هي العمل على مكافحة الإرهاب ومطاردة عناصره، ولاسيما بعد تطهير البلاد منه.
وقال لـ” الشبكة”: “نجحنا في إلقاء القبض على مطلوبين مهمين، من بينهم قادة بارزون ينتمون الى عصابات داعش الإرهابية، بخطط استباقية أفشلت مخططاتهم الإرهابية.”
وأشار الى “أن تجديد خطط وستراتيجيات القوات الأمنية العراقية كان له الأثر الواضح في وضع حد للعديد من العمليات الإرهابية، وقطع الطريق أمام العناصر الإرهابية في تنفيذ أعمالهم الإجرامية وتمرير أفكارهم المريضة بين أبناء المجتمع العراقي.”

الجهد الاستخباري
وشدد مدير العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية على أن الوزارة عملت على إعطاء الأولوية لتطوير المنظومة الاستخبارية ودعمها بالكفاءات البشرية والمعدات التي تؤهلها للعمل، وزج عناصرها في دورات تخصصية لتأهيلهم للعمل على استخدام أحدث الأجهزة والمعدات والوسائل الحديثة والتقنيات المتطورة، لافتاً إلى أن جهد وكالة الاستخبارات والتحقيقات الاتحادية في الوزارة كان له الأثر البيِّن عن طريق جمع المعلومات وتقاطعها، الذي له الأولوية في انطلاق العمل الاستخباري الذي يعتمد على العديد من العناصر التي من شأنها تكثيف هذا العمل، سواء أكان بشكل ميداني، أو بأي شكل آخر.

وأكد المتحدث الرسمي باسم القائد العام أن القوات المسلحة مهيأة لتسلم وإدارة الملف الأمني في جميع محافظات البلاد، مشيراً إلى أن هذا الموضوع هو من صلب عملها، وقد تمكنت من قطع أشواط كبيرة في إنجازه على أفضل وجه.
حملات كبرى متتالية للقضاء على العصابات الإرهابية:

نلاحق عناصر داعش
من جانبه، يؤكد المتحدث الرسمي باسم قيادة العمليات المشتركة، اللواء الطيار تحسين الخفاجي، أن القيادات الأمنية، بالتعاون والتنسيق مع قيادة العمليات المشتركة، عملت، ومازالت تعمل، على تنفيذ حملات عسكرية متتالية على أماكن وجود العناصر الإرهابية المنحصرة في أماكن محدودة، ولاسيما في المناطق الوعرة التي تمثل ملاذاً لها.
وأوضح لـ” الشبكة” “أن عناصر داعش تعمل بشكل متخفٍّ كالجرذان بعد خسارتها الأماكن التي كانت تسيطر عليها،” مؤكداً “أن تلك العمليات نجحت في شل حركة تلك العناصر الإرهابية ومحاصرتها وقتل وأسر العديد من عناصرها الإجرامية التي تحاول يائسة إثبات وجودها من خلال استهداف بعض الأماكن الآمنة، هنا وهناك، وبين فترة وأخرى.”
وشدد على جاهزية قواتنا الأمنية وقدراتها العالية في الحفاظ على أمن البلاد
والتصدي لأية مخططات إرهابية والتمكن من إفشالها في أية بقعة من أرض الوطن. مشيراً الى امتلاك القوات الخبرة الميدانية الكبيرة التي اكتسبتها من خلال محاربتها العصابات الإجرامية على مدى الأعوام والسنين الماضية، ما جعلها قادرة ومتمكنة من صد ودحر أية عملية إجرامية، فضلاً عن أن التعاون المثمر بين القوات الأمنية والمواطنين أسهم بشكل كبير جداً في القضاء على الحواضن الإرهابية التي كانت تشكل خطراً كبيراً على أمن المدن من خلال استخدام تلك الأماكن كقواعد انطلاق لشن العمليات الإرهابية من قبل تلك العصابات الإجرامية.

أساليب التصدي
فيما ذكر مدير قسم محاربة الشائعات في مديرية العلاقات والإعلام في وزارة الداخلية، العميد نبراس علي، “أن العراق بات يمتلك جهازاً قوياً للتصدي للماكنة الإعلامية للتنظيم الإرهابي، التي تعمل على بث الأخبار الكاذبة والمضللة لزعزعة الوضع الأمني وخفض المعنويات لدى المقاتلين.”
وقال لـ “الشبكة”: “لقد اخترقنا إعلام تنظيم داعش، وكشفنا أكاذيبه وزيف الأخبار التي يروجها،” مشيراً الى أن انتصارات قواتنا الأمنية على طول جبهات المواجهة، بينها وبين العصابات الإجرامية، أسهم في رفع معنويات المقاتلين.
وأوضح أن الحروب اليوم تعتمد على التقنيات التكنلوجية التي تسخر في بث الشائعات عبر التقنيات الرقمية، لهذا عملنا على تطوير عملنا في هذا المجال وحققنا التفوق الواضح على تنظيم “داعش”.

قدرات عالية
يقول المحلل السياسي أحمد الشريفي: “يجب الحديث عن جاهزية القوات الأمنية بأبعادها الثلاثة: (البرية، والجوية، والإلكترونية)،” مشيراً الى “أننا يمكن أن نؤكد على جاهزية قواتنا الأمنية من الناحية البرية، فلديها الإمكانيات والمهارات القتالية، تستطيع من خلالها تحقيق الاكتفاء الذاتي على مستوى الموارد الوطنية في إدارة المعركة،” لكنه أشار الى أن هناك مشكلة في الجانب الجوي، “فنحن نمتلك القدرات، لكنها محدودة، إذ أن المنظومة الأمنية الجوية تفتقر إلى بعض الأجهزة التي تمكنها من كشف أي هجوم جوي وصده بشكل دقيق، وبالأخص الهجمات التي تستخدم فيها الطائرات المسيرة (الدرون)، التي باتت تستخدم كسلاح فعال في شن الهجمات البعيدة والقريبة ضد أهداف ستراتيجية،” أما في مجال الاستطلاع والحرب الإلكترونية، “فنحن ما زلنا نحتاج الى التحالف الدولي عموماً، والولايات المتحدة خصوصاً، لرصد واستمكان نشاطات داعش، التي تعتبر نشاطات دولية عابرة للحدود، وذلك لأن ما يمتلكه التحالف الدولي من أقمار صناعية عالية الدقة تمكنه من متابعة كل التحركات المشبوهة على مدار أربع وعشرين ساعة يومياً.”

انسحاب ترشيقي
وبيّن الشريفي أن “أي انسحاب للقوات الأميركية من البلاد سيكون انسحاباً ترشيقياً، وليس انسحاباً كاملاً، أي بمعنى أن ستكون هنالك جهود ساندة ناظرة ومتابعة لاحتمالية حدوث ثغرات، وحتى لا تتكرر تجربة داعش وانهيار المؤسستين الأمنية والعسكرية، لذا فإن التحالف الدولي، والولايات المتحدة، يعملان على سد تلك الثغرات عبر الإمكانيات المتاحة التي يناوران بها وفق الأبعاد التي حددتها اتفاقية الإطار الستراتيجي الموقعة بين الطرفين، لذا فإن التعاون ما بين القوات الأمنية العراقية والقوات الأميركية والدولية سيستمر، ولاسيما في المجالين الاستخباري والتقني، إذ مازالت قواتنا الأمنية بحاجة إليهما، كما أشرنا، إضافة الى حاجة البلاد للدعم الجوي لتنفيذ العمليات الجوية النوعية ضد العناصر الإجرامية، فهو ضروري ومهم جداً للطرفين في القضاء على تلك العناصر الإرهابية.”

مخاوف البيشمركة
من جهته، أعرب القائد العسكري في قوات البيشمركة، اللواء سيروان بارزاني، عن مخاوفه من عودة ظهور تنظيم داعش بعد انسحاب القوات القتالية الأميركية من العراق في نهاية العام الحالي.
وقال سيروان بارزاني، في مقابلة أجرتها معه صحيفة “اللوموند” الفرنسية: “إننا نخشى بشدة من عودة داعش،” داعياً القوات الأميركية القتالية إلى البقاء في المدن العراقية.
واسترسل القائد العسكري بالقول: “نخشى من تكرار ما حدث بعد قرار الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في العام 2011 بسحب قوات بلاده العسكرية من العراق وما نجم عنه من ظهور تنظيم داعش الإرهابي، واجتياحه مساحات شاسعة من أراضي العراق”.
كما أشار سيروان بارزاني، في المقابلة، إلى أن “العراق ما يزال بحاجة إلى تكنولوجيا التحالف الدولي المناهض لداعش، ولاسيما الطائرات بدون طيار، وإلى الكاميرات الحرارية،” مردفا بالقول إن “بقاء قوات التحالف مهم لمعنويات سكان العراق.”