رعبٌ دموي على خشبة مسرح بابل!!

359

عادل مكي /

يُمكن لصُدفة فجائية لم تكُن تتوقعها أن تكون سبباً في سعادتك الأبدية، ويمكن لصدفةٍ أخرى ترتبها الاقدار على غفلةٍ من الزمن تكون سبباً في زج حياتك وحشرها داخل ذاكرة رعب ممتدة.
فلقد شاءت الأقدار في تلك الصدفة أن يتخلف عريف الحفل في إحدى سهرات مهرجان بابل الدولي السابع، وكنت وقتها موجوداً بمعية احد المطربين المعروفين، فطلبت مني إدارة المهرجان، تلافياً للحرج، تقديم المطرب والفرقة الموسيقية بعد أن أخبرهم أحد أعضاء الفرقة الموسيقية بأنني جدير بذلك الأمر، وفعلاً ارتقيت المسرح البابلي لأقدم وصلته الغنائية بعد أخذ موافقة نقيب الفنانين حينها، الراحل داود القيسي، شرط أن يراني، فسألني: هل تستطيع ذلك؟ فأخبرته بالإيجاب، وفعلاً جرى الأمر وارتقيت الخشبة معلنا بداية الحفل بمقدمة عفوية صفق لها الحضور كثيراً.
سارت أجواء الحفل بانسيابية عالية، وغص المسرح البابلي بالجمهور لمدة ساعة ونصف الساعة، وكانت أجواؤه مثالية لأن الجمهور كان متعطشا لتلك الأمسيات الغنائية.
بعد انتهاء الحفل ذهبنا أنا والمطرب ومعنا ثلاثة من الأصدقاء نحو سيارة المطرب التي كانت مركونة خلف السياج الخارجي للمسرح للعودة الى بغداد، أما أعضاء الفرقة فذهبوا باتجاه سيارتهم (الكوستر) التي نقلتهم من بغداد إلى المسرح البابلي، وبعد أن هممنا بركوب العجلة، أوقفتنا مجموعة من الشباب مفتولي العضلات، يبدو من أشكالهم المخيفة أنهم حماية لإحدى الشخصيات المهمة، طالبين منا الترجل من العجلة بعبارة (الأستاذ يريدكم)، وكلمة الأستاذ هنا تطلق على الشخصيات المهمة جداً من حاشية الرئيس المخلوع، وتحديداً ابنه الهمام، صاحب اليد الطولى في كل مقام، عدي الكسيح. أخذونا جميعاً، أنا والمطرب وثلاثة ممن كانوا معنا إلى المنصة الرئاسية لكبار الشخصيات دون أن نعرف من هو الأستاذ، وعندما وصلنا هناك اتضح أنه احد أبناء عمومة الرئيس المخلوع، ويعمل في حمايته، في الخط الأول، كان مخموراً إلى درجة الإعياء، سلّم علينا بتثاقل وطلب أن يقوم بتوصيلنا الى بغداد، إذ أنه أعجب بما قدمناه من عرض على المنصة، حاولنا إقناعه بالعدول عن ذلك وبشتى الأعذار، فوافق بشرط إيصالنا إلى البوابة الخارجية، طبعاً تنفسنا الصعداء وصعدنا معه في سيارته التي كان يقودها، ضارباً عرض الحائط كل نقاط التفتيش داخل أطراف المسرح البابلي، وحين وصلنا إلى سيارتنا جاء أحد أفراد حمايته يركض قائلاً له (أستاذ احتجزوا الويلاد)، ويقصد حمايته في إحدى نقاط التفتيش، فجأة وبدون سابق إنذار (شخط) سيارته بجنون واتجه صوب المجاميع التي كانت تحتجز حمايته، حيث كانت القوة الماسكة للحفل أغلبهم من جهاز الأمن الخاص والجيش والشرطة ومن الانضباط ومن عشرات الرتب العسكرية، هنا اندفع بسيارته بتهورٍ وبسرعة هائلة نحو تلك المجاميع ليصطدم بهم فأوقفوه بصعوبة ثم سألوه من تكون، رد عليهم بأسلوب همجي وبلغة (عجل يابه) (ولكم آنه ابن عم السيد الريس)، وبعدها تلاسن معهم بلغة السب والشتم ثم سحب بندقيته التي كانت داخل السيارة، وهي عبارة عن غدارة صغيرة، فاتحاً النار بشكل عشوائي على الجميع فسقط من سقط وأصيب من أصيب.
ترجلنا من سيارته راكضين مذعورين وخائفين باتجاه المسرح البابلي لا نلوي على شيء، لأن الإطلاقات النارية كانت كالحرب الضروس التي لا ناجي فيها، وبعد لحظات جرى تطويق المكان بقوات كثيفة وأُلقي القبض علينا جميعا، نحن والمطرب والفرقة الموسيقية والأستاذ السكران، إذ أنهم كانوا يعتقدون أننا من (جماعة الأستاذ) وكنا معه في سيارته الخاصة.
جرى اقتيادنا جميعا الى مديرية أمن الحلة بطريقة بشعة ومهينة، ونحن لا ناقة لنا في الأمر ولا جمل، ثم.. جاءت الأوامر لهم بجلب الجميع الى مقر الأمن العامة، وقد قاربت الساعة الثالثة صباحاً، وحين وصلنا بغداد وضعونا نحن الأربعة في زنازين منفردة كلاً على حدة، زنازين تفوح منها روائح الموت ذات أبواب حديدية فيها فتحات صغيرة يدخل من خلالها الطعام، سقفها عال جداً وهي عبارة عن متر واحد بسرير واحد وحنفية ماء ومقعد لقضاء الحاجة، وعبارات وذكريات مكتوبه هنا وهناك من تواريخ قديمة جداً سجل فيها من كان هنا بعض ذكرياته. المهم أننا بقينا لليوم التالي داخل تلك الزنازين الى أن جاء مدير الأمن العام بعد الساعة العاشرة صباحاً وحين عرف بالموضوع وأخذ فكرة كاملة عنه أرسل إلينا وأطلق سراحنا، لأن من حسن حظنا انهُ كان موجوداً في الحفل وكان معجبا بفقراته، لكنه انسحب قبل الختام، المهم حصيلة تلك المعركة التي كان بطلها (ابن عم الريس) هي إصابة أحد الضباط المهمين بطلق ناري، كذلك إصابة مجموعة من المراتب والرتب العسكرية والأمنية المهمة. مرت السنوات وتغيرت الأنظمة ولا يزال أثر تلك الحادثة في نفوسنا بمثابة غصة كبيرة وألم عميق كوننا عشنا حالة رعب دموية لم نكن طرفاً فيها بل أخذتنا غفلة (روجة) الدكتاتورية. المستهترة في رعونتها وعنجهيتها المقيتة والحاكمة على رقاب الناس البسطاء والعُزل بما يتطلب مزاجها الدموي تارة والمُهين لكل ما تقع عليه العين تارة أخرى.