عميـــــــــد الأغنيـــة العراقية عبــــاس جميـــــل مبدع استثنائي بمواصفات خاصة

119

عادل مكي/
حينما تحاول الكتابة والتوغل الفني في تاريخِ رجل فذَّ بقامة وطنٍ مثل عباس جميل، يجب أن تتحسس أناقة لغتك جيداً وتختار أنضرها وأجملها وأعمقها، كما يجب عليك أن تختار تعابيرك وتضعها محل الاستثناء، لأنه مبدع استثنائي بمواصفات خاصة جداً لا تتوافر عادة إلا في فنان وهبه الله الموهبة والعبقرية ودفقة من الشعور النبيل والحس الجميل الذي لون حياتنا بأجمل الأغاني،
ذلك أبسط ما يمكن أن يقال عن الموسيقار عباس جميل، حياً أو ميتاً، فإن كان الرجل قد غادرنا جسداً فلا شك في أنه باق في وجدان الشعب العراقي الذي يعرف تماماً قيمته الفنية الكبيرة من خلال ما قدمه من أعمال غنائية خالدة.
كانت ألحانه تمتاز بانفتاح حي على الموسيقى العربية في المزج بين أغنيتي الريف والمدينة في قوالب لحنية ثرية عبر حساسية نادرة تميز ما بين بيئات غنائية عدة، فمن الألحان المتأثرة بالموسيقى المصرية إلى تحديث للأغنية العراقية الشعبية وأنماطها اللحنية السائدة، إذ عمل عباس جميل على تمدين الغناء الريفي، فهو حين لحّن أغنية “ماني صحت يمه احا جا وين اهلنا” قال إن هذه الأغنية لا يمكن إن تؤديها غير المطربة وحيدة خليل لأنها من أهل الجنوب، فهي التي تعبّر أكثر من غيرها من المطربات. والأمر ذاته تكرر مع أغنيتيها “على بالي أبد ما جان فركاك و”عين بعين عالشاطي تلاكينه”. ومثل هذا الحساسية في مزج الريفي بعطر الحداثة المدنية كانت في ألحانه للمطربين داخل حسن وحضيري أبو عزيز، ولكن ضمن مساحة في حرية الأداء متروكة لأصحاب الأصوات الغنائية، فكان أسلوبه أنه لا يقيد المطرب أو المؤدي بصرامة، فألحانه في الحقيقة فضاءات مفتوحة رحبة، للمؤدي أن يتجول فيها شرط أن يحافظ على اللحن الأساسي، لذا فإن عباس جميل هو أول ملحن يتعامل مع المقام العراقي بطريقة أكاديمية وذكية، وانتقل به من المدينة إلى الريف والبادية وتعامل مع الموروث بأسلوب فني فريد.
جدير بالذكر أن الفنان عباس جميل كان يمتلك، إضافة إلى حلاوة الصوت، قدرة فذة على صناعة الأنغام وابتكارها، بحلاوة المجلس وحلاوة الحديث وسرعة البديهة وحفظ الشعر بكل أنواعه المختلفة، فكان حريصاً على تقديم الأغنية العراقية بالصيغة الفنية الصحيحة. وكان أول صوت اعتمد عليه في ذلك هو صوت المطربة الراحلة زهور حسين. أما وحيدة خليل فإن صوتها يمثل الأغنية الريفية الصحيحة، فيما يمثل صوت سليمة مراد اللهجة البغدادية الأصيلة، فيما تميز صوت عفيفة اسكندر بالظل الغنائي الخفيف، الذي كان له وقع في قلوب الناس.
من الثابت أن عباس جميل قدم نفسه ملحناً مقتدراً في صيف عام 1948 من خلال صوت زهور حسين، في وقتها انتبهت الذهنية العراقية إلى عذوبة اللحن، إذ كشف هذا الملحن عن قدرة فائقة في الصنعة التلحينية التي اعتمدت أساساً على دغدغة الحس الشعبي، لذلك اعتبر عباس جميل وبالتقييم الجماهيري فتحاً ممتعاً في التوجه الغنائي وموهبة مبشرة وثرية. ومنذ ذلك التاريخ بدأ فناننا يشق طريقه الصعب إلى جانب كوكبة من الملحنين مثل رضا علي ويحيى حمدي ووديع خوندة وعلاء كامل وناظم نعيم وأحمد الخليل، الذين كانوا يملأون الساحة الغنائية عطاءً ونشاطاً، هاضمين معظم الألوان الغنائية العراقية، ومسحورين بنهضة العطاء الوهابي (محمد عبد الوهاب) والأطرشي (فريد الأطرش) والسنباطي (رياض السنباطي).
استطاع عباس جميل أن يقف على قدميه ملحناً ومؤدياً، لأنه اغتنى بعطاءات المدرسة المقامية العراقية التي كان يقف على قمتها المطرب الكبير محمد القبانجي، الذي أدهش ملحنينا بطريقته الأدائية وولعه في اكتشاف مقامات كانت مجهولة في الساحة الغنائية التي فيها مقامات اللامي والمقطر والنيروز، وأنه (أي القبانجي) أول من غنى مقام النهاوند في العراق، وقد شكل هذا الاكتشاف انبهاراً عند عباس جميل جعله يغرق حتى أذنيه في دراسة المقام العراقي والتوغل في أبعاده وأسراره، وقد وفق في هذا واعتبر من الموسيقيين الذين يدركون أسرار المهنة المقامية، إضافة إلى أنه واصل الاستماع إلى رواد المقام الكلاسيكي، ومنهم رشيد القندرجي وعبد القادر حسون ونجم الشيخلي وآخرون، من الذين كانوا يتفانون للحفاظ على الفورمات التقليدية في المقام العراقي، ويعتبرون الخروج عليها تجاوزاً غير مشروع. وبين المدرسة المقامية الجديدة الممثلة في نهج القبانجي والمدرسة الكلاسيكية، نشأ لحن عباس جميل الذي مالت روحة إلى المقام الجديد مع محاولات جادة في الحفاظ على مكونات القالب المقامي والتحرك الإيجابي نحو تأسيس الملامح الواضحة لأغنية تميزه وتجعله متفرداً بعطائه منذ الأربعينيات من القرن الماضي. وكان واضحاً أن ذكاء عباس جميل تجسد في استطاعته هضم ألوان المدرسة الغنائية المصرية والمدرسة المقامية العراقية والخروج بألحان جديدة لها خصوصيتها الواضحة وأساسيات ما زالت شاخصة في حقل الأغنية العراقية الثرية.
جدير بالذكر أن عباس جميل ولد عام 1912 في محلة سراج الدين في منطقة باب الشيخ وسط بغداد، وتخصص في العزف على العود دارساً لمدة سبع سنوات في معهد الفنون الجميلة ببغداد، حيث لحن أولى أغنياته عندما دخل الإذاعة العراقية عام 1948 ومارس فيها نشاطه حتى أواخر أيامه، وكان قد عمل مديراً لفرقة الرافدين الموسيقية التابعة لوزارة الثقافة، وعضواً في اللجنة الوطنية للموسيقى العراقية واللجنة الاستشارية لبيت المقام العراقي.
في آخر ظهور له، أثناء تكريمه من قبل اتحاد ديوان شرق غرب في بغداد، قال عباس جميل إن “أهم انعطافة في حياته تمثلت بقبوله في دار الإذاعة العراقية، إذ شعر بعمق المسؤولية الملقاة على عاتقه، حين كان الوسط الفني يشكو أمية موسيقية وكان المثقفون موسيقياً قلائل على الساحة الفنية والمتداولة فيها قوالب مكررة لا إبداع ولا جديد فيها.” وتذكر أساتذته في معهد الفنون الجميلة مثل سلمان شكر عازف العود المبدع وكذلك الشريف محيي الدين حيدر وجميل ومنير بشير وتقنيتهما العالية في العزف على العود. وردد “أنا سعيد لأني ظللت متمسكاً بتراث آبائي وأجدادي في الفن الأصيل.” وأكد أن مسيرة الفن العراقي ستتواصل على الرغم مما اعتراها في الآونة الأخيرة من خمود وخضوع لسلطة الفن الغجري.
يعتبر عباس جميل الملحن الوحيد الذي كان رصيده من الألحان لزهور حسين العدد الأكبر والأوفر من بقية المطربين، لأنها كانت تتمتع بالطبقة الصوتية العالية، باعتبار أن مشواره الفني بدأ معها منذ ذلك الوقت، فلحن لها من الروائع (غريبة من بعد عينج يايما – جيت يهل الهوى اشتكي من الهوى – سلمى ياسلامة – يم عيون حراكة – سودة اشلهاني يايمه – ياعزيز الروح يابعد عيني – انت الحبيب والله – تفرحون افرحلكم)، ولحن أيضا أغنية غناها لنفسة (وين ابن الحلال الشاف محبوبي)، كما لحن أغاني عديدة للمطربة الريفية الراحلة وحيدة خليل (ماني صحت يما احا جا وين اهلنا – على بالي ابد ماجان فركاك – عين بعين على الشاطي تلاكينه). وخلال مسيرته الفنية لحن العشرات من الألحان لمطربات عراقيات مثل مائدة نزهت التي لحن لها (ياكاتم الاسرار – العيون – عشك اخضر)، ويستمر في التلحين للمطربتين صبيحة ابراهيم وعفيفة اسكندر التي لحن لها أغنيتي (متألم ياولفي شبيك خلي الحبيب يجازيك – على اعنادك) كما لحن للمطربة الكبير سليمة مراد باشا (يايما ثاري اهواي سلوى الي بدنياي ) كما لحن لأمل خضير وغادة سالم وأنوار عبدالوهاب ولميعة توفيق وسيتا هوكبيان، أما الأصوات الرجالية فلحن لعبد الصاحب شراد وفاضل عواد وأحمد نعمة وقاسم عبيد وسعدون جابر وسعد الحلي وجاسم الخياط، كما لحن للمطرب داخل حسن (ياطبيب اصواب دلالي كلف لاتلجمه بحطة السماعة).
لذلك يعتبر عباس جميل صاحب أكبر إرث ورصيد في الأغنية العراقية، فقد بلغ رصيده من الألحان أكثر من (400) أغنية بغدادية وريفية، كان منها لزهور حسين أكثر من ستين أغنية. أما الأغاني الموزعة على بقية المطربين فقد بلغت أكثر من 70 لحناً بين أغنية وقصيدة. لذلك استحق بجدارة لقب عميد الأغنية العراقية لما كان يمثله من إرث حضاري فني كبير يستحق أن تنهل منه الأجيال القادمة، لأنه حالة متفردة تستحق الخلود في ذاكرة الشعب وهويته الثقافية.